توظيف الجهل والمعتقدات الخاطئة..الى متى تبقى الشعوب العربية أسيرة «نزوة الموت»؟!

المجتمع

لا تتبدّى أهمية الأحداث التاريخية، في بناء ذاكرة مجتمعية فحسب، وإنما أيضاً تعدّ أحد عناصر هوية المجتمع، باعتبارها مكوناً ثقافياً، يمدّه بسمة معينة وطابع محدّد.

وهنا، يمكن القول أن الوقائع التاريخية، تؤدي دورها في تكوين لاوعي جمعي و تؤثر فيه. ويعود السبب في ذلك، إلى أن الثقافة تؤطر كل ما نعيش و نتعلم، إن العناصر الثقافية التي يتم استدخالها بطريقة لاواعية في أغلب الأحيان، تؤثر في كيفية إدراك الفرد للعالم، وبذلك تحدّد سلوكياته أو تصرفاته.
لذلك، يسهم كل ما يجري عبر التاريخ من أحداث، في تحديد مسار المجتمع، باعتباره يدخل في تأسيس بناه كافة، سواء كانت اجتماعية أو تربوية أو ثقافية أو حتى سياسية .
وبناءً على ما سبق، قد تتحول الوقائع التاريخية عموماً، سيّما الدينية، إلى مادة “دسمة” تدخل في صناعة الاستلاب، بعد أن يُصار إلى تزييفها أو تعظيمها و طمس حقيقتها، بتعبير أدق، الوقائع “المزيفة” تصبح أداة لاستغلال أفراد المجتمع أو طائفة معينة، و في الغالب يصب كل ذلك في خدمة مآرب سياسية تتخطى حدود الوطن ومصلحته، لتشكل تهديداً خطيراً لهويته.

يسهم كل ما يجري عبر التاريخ من أحداث في تحديد مسار المجتمع باعتباره يدخل في تأسيس بناه كافة سواء كانت اجتماعية أو تربوية أو ثقافية أو حتى سياسية

ومن الطبيعي، أن يشكل التخلف، الأرضية الخصبة والمناسبة لعملية هذا الاستلاب، لأنه عامل مساعد على تمكين “المقدس” من الاطباق على المجتمع، إذ يسعى النظام السياسي “المتخلف”، كالطائفي أو الدين- سياسي على سبيل المثال، إلى توظيفه بعد أن كرّس وجوده، من خلال ضرب النظام التربوي الديمقراطي، كما هي الحال في لبنان!
وفي هذا الصدد، تدفعنا مقاربة نفستحليلية مستهدفة، توظيف الجهل واستخدامه كأوالية دفاعية، ضد كل ما يمكن أن يتعارض مع المعتقدات الخاطئة أو المزوّرة، التي يتم تسويقها لتخطف الفرد إلى عالم لا سوي ومريض.
إن التفسيرات الخاطئة للنصوص الدينية، و سرد الأحداث بأسلوب مبالغ فيه، والممارسات الطقوسية بطريقة هستيرية، كل ذلك يمكن أن يتحول إلى أفكار وسلوكيات قهرية أو عظامية، بحيث يشكل الذنب أو الشعور بالاضطهاد نواة لها، بتعبير آخر، يجري البحث عن الحماية، ضد ما يسمي بالقلق الوجودي، الذي يصبح بدوره أحد أهم مكونات اللاوعي الجمعي.

إقرأ أيضاً: «أولمبياد» الجنوب وغزة يَطغى على «باريس»..و«تحذير» روسي من حرب شاملة!

ويبيّن لنا التاريخ، عبر احداثه، أنه في أغلب الأحيان أو جميعها على الأرجح، لم يكن هناك فصل في مساراته بين الديني والسياسي، ويظهر ذلك من خلال ممارسات كثيرة، كالخطابات التي تحثّ على التجييش المذهبي، أو احياء مراسم معينة كتمثيل مشهد تاريخي، ليصار إلى تعبئة مذهبية أو طائفية، يظهر “العنف” سيد الموقف والتعصّب حالة جمعية.
وإذا ما تناولنا كل ما يجري من منظور نفسي، فمن الطبيعي أن يشكل تهديداً كبيراً لبنية الفرد النفسية، و يعود السبب في ذلك إلى استهداف الحياة الانفعالية و الذهنية للفرد، بكل ما يمكن أن يهزّها أو يضعفها.

تتحول الوقائع التاريخية عموماً سيّما الدينية إلى مادة “دسمة” تدخل في صناعة الاستلاب بعد أن يُصار إلى تزييفها أو تعظيمها و طمس حقيقتها

يسعى النظام السياسي النامي أو المتخلف، إلى تشكيل ذاكرة جمعية تتناسب مع مصالحه. وهو يتعمّد إعادة احياء “ذكريات” تاريخية حملت معها الظلم و اللاعدالة، فتفلت العنان لعقدة الاضطهاد والمظلومية التي تنتقل عبر الأجيال ، لتتحول الواقعة التاريخية “المعنية”، إلى جزء من البنية النفسية، وقد يتجلّى هذيان العظام عبر الطائفة “الأنقى” وبطولاتها “الوهمية”، و تأتي البروباغاندا بالطبع، لتجذّر هذه الحالة المرضية عبر سرد الروايات و تمثيلها!…
و بما أن المقدّس هو “سيد” الموقف، و الركيزة الاساسية لعملية الاستغلال، يصبح العنف مشرّعاً أو “شرعياً” قبل أن يتم تبريره، خصوصاً بعد إدخال لعبة التهديد التاريخي و”الوجودي” للطائفة أو الجماعة، كما ذكرنا. وفي هذه الحال، يتبدّى العنف ردة فعل طبيعية و بديهية، وأيضاً ضرورية لحماية الذات ضد ما يسمى بالخطر الوجودي، ويتجذر انقسام ظاهر أو خفي، في ظلّ النظام الذي يدعي الديمقراطية.

ما يجري في مجتمعنا اللبناني عبر توظيف التاريخ، البعيد والقريب أيضاً ما هو إلا ضرب لهويته العربية و إضعاف لحسّه الوطني و ارساء لانقسام بين صفوفه

و يقودنا “معاشنا” في المجتمع المتخلف إلى ملاحظة لا تقلّ خطورة عمّا تم الأشارة إليه سابقاً، و تتمثلّ في توظيف “الطعام” كعاملّ حاسم في عملية تجذّر لنمطية معينة، تعمل على تكريس ما يتم، صناعته من استلاب، و يتجلى ذلك في ربط احياء الواقعة المعنية بالحاجة إلى الأكل، التي تعد حاجة بيولوجية عضوية ضرورية للبقاء على قيد الحياة، وكأن ما يجري هو توظيف للجوع.
ولسنا هنا في صدد التحريض على التاريخ، إلا انه كان لا بدّ من التعرّض للخطر الذي يمكن أن يطاله. و يتبدى الحفاظ على التاريخ ضرورة، باعتباره يشكل أحد مكونات هوية المجتمع، وما استغلال وقائعه و توظيف أحداثه، مهما كانت طبيعتها، بشكل يسيء إليها، سوى تهديد ليس فقط لهوية المجتمع، و إنما للمجتمع نفسه.
وبالعودة إلى مجتمعنا اللبناني، فإن ما يجري فيه عبر توظيف التاريخ، البعيد والقريب أيضاً، ما هو إلا ضرب لهويته العربية، و إضعاف لحسّه الوطني ، و ارساء لانقسام بين صفوفه.
إلى متى ستبقى المجتمعات النامية، ومن بينها مجتمعنا اللبناني، أسيرة نزوة الموت (أو ثاناتوس) المتمثلة، بحسب فرويد، في نزعة تدمير الذات والآخر؟!

السابق
التصعيد متواصل جنوباً..قصف اسرائيلي وعمليات جديدة لـ«الحزب»!
التالي
مسلح دائماً برشاش وقنابل..موقوف سوري خطير بقبضة «المعلومات»!