مصيبة أهل الشرق.. الرّهانات الخاطئة ونظريّة المؤامرة والتّخوين والعمالة

السفير هشام حمدان

تستمرّ رهاناتنا بشأن غدنا على الآخرين. البعض يراها في الشّرق، والبعض الآخر، يراها في الغرب. قليلون جدّا من يضعون رهانهم على أنفسهم.
نلوم الخارج في كلّ ما يحصل عندنا. فنحن دائما ضحيّة مؤامرات الآخرين. لكنّنا، لا نتساءل من يحمل المبضع الذي يقصّ أجسادنا. نتّهم كلّ من يرفض فكرنا الإيديولوجيّ، بالخيانة والعمالة. ننسى أنّ أكبر العملاء هم الذين يتحوّلون إلى سلاح بيد الخارج ضدّ مصلحة وطنهم، وأمن شعبهم. ما حكّ جلدك مثل ظفرك. مثل أهليّ نعرفه جميعا، لكنّنا، لا نتوقّف عند معانيه. كم تزخر أدبياتنا بأمثلة يمكن لو تعمّقنا بها، لاستبدلنا الكثير من مفاهيم نظامنا الإجتماعيّ، والفكريّ، السّائدين.

نلوم الخارج في كلّ ما يحصل عندنا. فنحن دائما ضحيّة مؤامرات الآخرين


البعض يأمل أن تنتصر روسيّا، والصّين في صراعهما مع النّاتو، والولايات المتّحدة. ننسى أنّ الصّراع هو كما كان دائما على ثرواتنا وخيرات بلادنا. قد يختلف الجانبان في أساليب التّعاطي مع الدّول الأعضاء في المجتمع الدّوليّ، لكنّ الغرض واحد، وهو الحصول على أسواقنا، وإستغلال ثرواتنا.
نفهم بالطّبع، عمق الخطط التي أعدّها الخارج لتحقيق مصالحه في بلادنا. لكنّنا، كنّا الأدوات التي نفّذت تلك الخطط. سعى الإستعمار لتقاسم مقاطعات المنطقة الموزّعة في ولايات من صنع العثمانيّين (سايكس بيكو). وسعى إلى إقامة دولة يهوديّة في فلسطين (وعد بلفور). عرف الهاشميّون ذلك. لكنّ شبق السّلطة، والتّسلّط أغمض عيونهم. رفعوا شعار العروبة، ودولة عربيّة، بوعد من المستعمر نفسه الذي يريد تقاسم منطقتنا، وإقامة الدّولة اليهوديّة. يخدع نفسه من يقول، أنّ قيادة ما سمّي ب”الثّورة العربيّة” في حينه، لم تقبل ضمنا بخطّته تحت وعد، كانت تعلم أنّه كاذب. والأبشع من كلّ ذلك، أنّها حقّقت له خطّته. حملته تلك الثّورة إلى فلسطين، والقدس على أجساد أبنائنا. ولمّا استقرّ له النّصر، فعّل عمليّة التقاسم في منطقتنا، وبدأ بإقامة الدّولة اليهوديّة.
البعض يقول، أنّ ما جرى في منطقتنا، هو تقسيم إستعماريّ لها. لا! ليس تقسيما، بلّ تقاسما. فالعراق، كان قائما دائما. وبلاد الشّام (سوريّا) كانت قائمة أيضا، وفلسطين كانت قائمة كذلك. لبنان كان قائما بجبله الذي وصل أحيانا إلى حلب، وحيفا. مصر كانت قائمة. المملكة العربيّة السّعوديّة كانت قائمة. عمان كانت قائمة، بلّ كانت إمبراطورية. الإمارات المتصالحة (ألإمارت العربيّة المتّحدة ) كانت قائمة. ما كان يجمع بين هؤلاء، هو طغيان اللّغة العربيّة، والدّين الإسلاميّ الذي أخضعها للخلافة العثمانيّة، ألتي قسّمتها إلى ولايات، وفقا لمصالح أمنها.

نعلم أنّ القادة العرب بما في ذلك الرّئيس عبد النّاصر كانوا يعترضون خلال محادثاتهم مع الأميركيّين على واقع فلسطين


عندما تحوّلت الولايات المتّحدة إلى قوّة عظمى، تحكم العالم بعد الحرب العالميّة الثّانية، أرادت، أن تبدّل من التّعاطي مع منطقتنا، فترفع عنها التّسلّط الإستعماري، وتضمها كشريكة معها في لعبة النّظام الجديد، الذي قام بعد تلك الحرب. رفض القادة العرب الإنعتاق من الماضي. إستفاد الرّئيس عبد النّاصر من التّوجّه الأميركيّ، لإنهاء مفهوم الإستعمار القديم، لكنّه، لم يقبل بالمشاركة مع هذا الإستعمار نفسه، كشريك في الفكر الجديد. أمكن لعبد النّاصر بتعاون أميركيّ، تحقيق انتصارات على الإستعمار القديم (بريطانيا)، ممّا ألهب مشاعر النّاس في الأقطار العربيّة المختلفة.
نعلم أنّ القادة العرب، بما في ذلك الرّئيس عبد النّاصر، كانوا يعترضون خلال محادثاتهم مع الأميركيّين على واقع فلسطين. بحث الملك عبد العزيز بن سعود هذا الموضوع، مع الرّئيس روزفلت عام 1944، لكنّه، وقّع معه في نهاية اللّقاء، معاهدة لحماية نفسه من المحور. بحث عبد النّاصر أيضا، هذا الموضوع مع الرّئيس ايزنهاور وممثّليه (1952-1955)، لكنّه كان يطمح إلى دعم أميركيّ، لقيادة حلف عربيّ مستقلّ عن الأحلاف الدّوليّة، عبر المعاهدة العربيّة للدّفاع المشترك. لم تقبل أميركا، لأنّها لم تقتنع أنّه يمكن للعرب بمفردهم خوض حروب عسكريّة. كان رئيس وزراء العراق آنذاك يقول، أنّ القوّة العسكريّة لكلّ دولة عربيّة، تساوي صفرا، وبالتّالي، فإنّ مجموع القوّة العربيّة جماعيّا، تساوي صفرا أيضا.
إعتقد عبد النّاصر، أنّ تأييد الشّعوب لنضاله ضدّ الإستعمار، يسمح له بتبنّي شعار العروبة، والقوميّة العربيّة، وقيادة هذا التّيّار الذي استمرّ قائما بين بعض المفكّرين، والسّاسة في الأقطار العربيّة. وقع عبد النّاصر مجدّدا في مصيدة الإستعمار القديم نفسه. فتبنّى ضمنا، طموحات الهاشميّين تحت عنوان القوميّة العربيّة. تجاهل عبد النّاصر تأثير العامل الدّينيّ بين النّاس على فكرة القوميّة. حتّى محاولة اغتياله من قبل “الأخوان المسلمين”، لم تلفته إلى خطورة العامل الدّينيّ، في تركيبة هذه الفكرة القوميّة.

تحوّل لبنان الجميل إلى مخرج دمويّ للتّكاذب القوميّ للحكّام العرب فصار ساحة حروب مستمرّة حتّى الآن.


أوروبّا، عانت حربا لأكثر من مئة سنة للفصل بين الدّين، والسّياسة، قبل أن تطرح أيّ مشروع وحدويّ بين دولها. بلّ، أنّ مجلس التّعاون الخليجي الذي قام عام 1981، سبق إنشاء الوحدة الأوروبّيّة التي قامت بعد اتّفاق “ماستريخت” أوائل التّسعينيّات.
قلنا في مقالة سابقة، أنّ ثورة فلسطين بين 1936 و1939، هي التي أعادت شعلة المفهوم القوميّ العربيّ. جمعت هذه الثّورة الفكر الدّينيّ، والفكر العلمانيّ، تحت رداء الشعار نفسه. لكن ظلّ كلّ منهما يرفض الآخر. وعليه، رفع عبد النّاصر ألذي أصبح الرّمز القوميّ العربيّ العلمانيّ بدءا من الخمسينيّات وما بعد، من قضيّة فلسطين كعنوان لمفهومه القوميّ. وهكذا فعلت القوى الدّينيّة. حصل ما حصل من حروب باردة عربيّة. وارتفع منسوب الحديث عن المؤامرات الخارجيّة، والإتّهامات بالتّخوين والعمالة. تفكّك عرى الشّعب العربي كلّيّا. تحوّل لبنان الجميل إلى مخرج دمويّ للتّكاذب القوميّ للحكّام العرب، فصار ساحة حروب مستمرّة حتّى الآن.

إنتهت الحرب الباردة. هناك مفهوم ونظام دوليّ جديد تقوده أميركا أيضا


إنتهت الحرب الباردة. هناك مفهوم ونظام دوليّ جديد تقوده أميركا أيضا. لكن، لا يوجد الآن عدوّ إيديولوجيّ لها. قاداتنا يدركون كنه هذا النّظام. فمن بديهيّات النّظام الرّأسماليّ، الفصل بين الدّين، والسّياسة، والدّفع بحقوق الإنسان، وبالحرّيّات العامّة. لم يرغب الحكّام العرب في تقبّل هذا التّحوّل في النّظام الدّوليّ. فالقادة القوميّون الثّوار، إستمرّوا في شعاراتهم وممارساتهم الدّيكتاتوريّة. ورفض القادة القوميّون الدّينيّون فصل الدّين عن الدّولة. جاءنا الغرب بفكرة الإتّحاد الإبراهيميّ.
للموضوع صلة..

السابق
توتر جنوبا.. غارة إسرائيلية على منزل في مركبا وانباء عن مقتل عنصر بالحزب وجرح اخر+
التالي
فبرك عملية تعرّضه للسلب بقوة السلاح.. وسرق 205 الف دولار!