على أثر لقاء المصالحة في بيصور بين الحزبين، “التّقدمي الإشتراكي” و”الدّيمقراطي اللّبنانيّ”، كتبت إحدى وسائل الإعلام تعليقا تحت عنوان يقول:” الجبل يقف مع فلسطين” متى كان الجبل أصلا ضدّ فلسطين، أو محايدا بشأن الحالة في فلسطين؟ مهلا… لبنان كلّه يقف مع فلسطين، وليس الجبل وحده.
لبنان كلّه يقف مع فلسطين وليس الجبل وحده
هذا العنوان في الواقع، يهدف إلى تسويق فكرة، أنّ الجبل في وقوفه مع فلسطين، يدعم ما تقوم به ما يسمّى “مقاومة”، من جنوب لبنان؟ وهو يريد أن يمنح الحرب القائمة من جنوب لبنان، شرعيّة بربطها بأحداث غزّة، بحجّة أن ما يحصل هناك، هو حرب ضدّ فلسطين. هذا أسلوب مفضوح في عمل الأجهزة، سواء الرّسميّة، أو الحزبيّة عبر صحافيين، ووسائل إعلام.
فهل الوقوف مع فلسطين يعني إلزاما إبقاء لبنان، وشعبه وقودا لنيران فلسطين؟ ثمّ ما المقصود بالجبل؟ هل المقصود “الدّروز”؟ الجبل، ليس دروزا فحسب، بلّ هناك شركاء لا يقلّون عددا عن الدّروز في هذا الجبل. هل يختصر اجتماع بيصور كلّ هولاء؟ ثمّ إذا كان القصد بعبارة الجبل هم الدّروز، فمن قال أنّ كلّ الدّروز، هم أولئك الذين اجتمعوا في بيصور؟ ندرك، ونحترم حجم وقوّة المجتمعين في بيصور. لكنّنا لا نعتقد أنّهم هم أنفسهم، يقبلون باختزال الآخرين في الطّائفة الدّرزيّة، قبل أن نقول في الطّوائف الأخرى الشّريكة في الجبل.
فهل الوقوف مع فلسطين يعني إلزاما إبقاء لبنان وشعبه وقودا لنيران فلسطين؟
نؤيّد روح الوئام، والسّلام، والمحبة التي سادت في لقاء بيصور. نؤيّد كلّ ما يدفع إلى وحدة النّاس، وإسقاط الكراهية، ووقف العنف. أمّا في السّياسة، فنحن نكرّر أنّنا من الدّروز السّياديّين الملتزمين، أوّلا، وقبل كلّ شيء بوطننا، وبدستوره المنبثق عن إتّفاق الطّائف.
نؤيّد قضايا الحقّ والعدالة. وملتزمون ميثاق الأمم المتّحدة، وقرارات الشّرعيّة الدّوليّة، وبشكل خاصّ، حقّنا الفطريّ في الدّفاع عن أنفسنا، ضدّ أيّ عدوان على بلدنا وسيادته. نحن ندعم وبكلّ قوّة، قضيّة العدالة، والحقّ لشعب فلسطين. لكنّنا، لا نريد أن نتدخّل في شؤونهم. الفلسطينيّون، هم من يقرّرون مصيرهم. كفى اختزالا لشعب فلسطين تحت شعارات دينيّة، بالإدّعاء أنّ الحرب في فلسطين، هي حرب المسلمين. كفى ادّعاء أنّ الحرب في فلسطين، هي حرب كلّ العرب. فلسطين وطن له كيانه كجزء من الوطن العربيّ، وعلينا أن نحترم سيادته، وحقّ شعبه باختيار الطّريق الذي يناسبه من أجل تحقيق هويّته، وتطلّعاته الوطنيّة. دورنا يبقى بدعم نضال هذا الشّعب في السّاحات الدّوليّة، في إطار ما تقوم به جامعة الدّول العربيّة، من أجل الإعتراف لهم بحقوقهم المتساوية بهويّة ووطن، مثل كلّ شعوب الأرض.
قضيّة فلسطين، ليست قضيّة دينيّة، أو قوميّة، بلّ قضيّة الضّمير العالميّ. نحن لا نسمح لأنفسنا إستغلال معاناة غزّة، وأهلها، في شؤون سياسيّة محلّيّة. كلّ المواقف، يجب أن تتّجه لدعم وحدة الشّعب الفلسطينيّ، ولعدم السّماح بتشتيت قواه. نريد وقف التّدخّل بين مكوّناته. نريد وقف صبّ الزّيت على النّار بين الأخوة الفلسطينيّين. نريد رفع قضية فلسطين لتكون فوق أيّة مصلحة محلّيّة.
قضيّة فلسطين ليست قضيّة دينيّة أو قوميّة بلّ قضيّة الضّمير العالميّ
نضع دائما، عبارة مقاومة بين قوسين. وذلك، لأنّنا نطعن باستخدام هذا التّعبير الحقوقيّ لأغراض سياسيّة، وإيديولوجيّة. ملتزمون بأفكارنا، وبمشاعرنا، وبتطلعاتنا الحقوقيّة، مع حقّنا بالمقاومة لكن، في حال إعتداء إسرائيل على لبنان. نرفض إستخدام عبارة المقاومة، كفكر بديل عن الشّيوعية لمواجهة الغرب، والإستعمار، و”الشّيطان الأكبر”. لا يهمّنا سواء كانت تلبس عباءة دينيّة، أو عباءة قوميّة.
كانت الحكومات الثّوريّة العربيّة سابقا، تقول، أنّها جبهة تصدّي وصمود. كان هذا العنوان مفهوما إيديولوجيّا إقليميّا، يحتفظ هدفه بمشروعيّته وفقا للقانون الدّوليّ. أمّا أن تستخدم عبارة “مقاومة”، والشّعار المقدّس: “حقّ الدّفاع عن النّفس”، لأهداف خارج هذا الحقّ، فلن يؤدّي إلّا إلى تدمير الشّرعية، التي يمنحها القانون الدّوليّ لهذا الحقّ. هذا يعني واقعيّا، تحقيق غرض “الإستكبار” بإسقاط هذا الحقّ، وتحويله إلى عنوان رديف للإرهاب.
لقد شرحنا في مقالة سابقة، موقفنا في الأمم المتّحدة عام 1995، من محاولة ربط حقّ الدّفاع عن النّفس بالإرهاب. يبدو لي، أنّ ثمّة من يقدّم من بين أضلعنا، دعما مجّانيّا لتحقيق “الإستكبار”لهذا الهدف. فشلوا بتحقيقه نظريّا عام 1995. هم يحقّقونه عمليّا كلّ يوم على أرضنا المستباحة.

