وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: حقيقة الديني والسياسي.. الفصل بينهما

ندوة كتاب وجيه قانصو
يخص الدكتور وجيه قانصو «جنوبية» بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته.

حين اقترح أهل الفكر إحداث فصل بين المجالين الديني والسياسي، لم يكن غرضهم الانتقاص من الدين أو تحجيمه، وإنما للقول بأن السياسة نشاط إنساني خالص، أي نشاط لا نبوة فيه ولا غيب، بل مواقف وإجراءات يعتمدها البشر لتنظيم أمورهم. ما يجعل صلاحية الفعل السياسي يتقوم بأمرين: أولهما حيازته قبولاً عاماً، للحؤول دون غلبة جهة متنفذة على أخرى، وثانيهما أن يكون الفعل السياسي معقلناً، أي مستنداً إلى الاستفادة من التجارب السابقة واعتماد تقدير عقلي وتخطيط دقيق، يكفل تحقيق المصالح والغايات المفيدة للفرد والمجتمع.

هذا الفصل، يكفل خلق واقع سياسي ناشط وفاعل وحيوي، يستند تداول السلطة فيه، إلى المنافسة الحرة والشفافة، ويكون أساس القرار السياسي، متقوماً بالنقاش العمومي، بإشراك أكبر قدر ممكن من أفراد المجتمع، للوصول إلى القرار الأنسب والأكثر قبولاً، ما يضمن بأن تكون السياسة منسجمة مع طبيعتها وحقيقتها، ولا تتلبس بشيء آخر.

الفصل يحقق للدين، تحرراً من توظيفات السلطة، والغايات الايديولوجية والأهداف السياسية

كذلك، فإن هذا الفصل يحقق للدين، تحرراً من توظيفات السلطة، والغايات الايديولوجية والأهداف السياسية. فلا يعود الدين أداة لبيعة سياسية، أو وسيلة ولاء لجهة أو فرد أو حزب. فالدين المتحرر من إملاءات السياسية وتقييدات السلطة، يُخرج من الدين أفضل ما فيه، من إمكانات وجودية، ومن عمق روحي ودافع أخلاقي وشفافية إنسانية. فالدين ليس غرضه الانصياع لإملاءات الخارج، بقدر ما تكون وظيفته تحريك الباطن الإنساني، وإحداث صحوة ضمير فيه، وتحقيق نقاء قيمي وأخلاقي في تكوينه. حينها لا يعود فعل الإنسان الأخلاقي صادراً بإملاء خارجي، بل بدافع ذاتي، أي بإملاء من حريته.

وهذا هو الخط الرفيع الفاصل، بين أن يفعل الإنسان فعله بإملاء خارجي، ليجذر عبوديته أكثر فأكثر، وتتحول هذه العبودية مع الزمن، من عبودية قسرية وإكراهية، إلى عبودية طوعية واختيارية. وبين أن يفعل فعله، بدافع باطني ووازع ذاتي، ما يخلق فيه كفاءة تحمل مسؤولية إعماله، ويؤهله أن يكون صانعاً لمصيره ومحققاً لكينونته، ويستحق أن يكون كائناً أخلاقيا بدافع من حريته.

تحرير الدين من وصاية السلطة، هو إسقاط أهم وأخطر أداة تطويع وتعسف اعتمدتها السلطة

تحرير الدين من وصاية السلطة، هو إسقاط أهم وأخطر أداة تطويع وتعسف اعتمدتها السلطة، وتعطيل أقوى وسيلة لها، في إسباغ المشروعية على ممارساتها الاستبدادية والقمعية. لكن الأهم من ذلك، فإن تحرير الدين من براثن السياسة، هو تحرير للإنسان نفسه، فلا يعود الدين أداة إكراه وقهر خارجيين، بل يكون بمثابة النداء، الذي يتسلل بانسياب إلى الباطن الإنساني، ويضع الإنسان أمام معضلة القرار الحر والصعب في تعيين ذاته، وتحديد وجهتها داخل الوجود الغامض واللامتناهي.

لا يعني الفصل بين الدين والسياسة، انفصالهما في الواقع، أو أن هنالك واقعان: أحدهما ديني والآخر سياسي. فالواقع لا يتجزأ، ولا يتكون من عناصر متباعدة أو متنافرة. بل هو واقع واحد وحقيقة واحدة، بمرجعيات مختلفة وبأبعاد وتمظهرات متعددة. فالمجال السياسي وفر للمجال الديني في التاريخ، أرضية صلبة له، ليقيم صرح مؤسساته وينشىء علومه ويمارس مهامه بأمان. والديني وفر للسياسي الأرضية الأخلاقية، للتماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي.

رغم ذلك، فإن الديني يفقد وظيفته وفاعليته، في اللحظة التي يكون فيها تابعاً لوصاية السياسي، فلا تعود مهمة الدين تحقيق الملاءة الباطنية، وإنما تتحول مهمته إلى توفير شرعية للسلطة، مهما كانت أهلية ممارسيها ومهما كان تخبطها، وتأمين ولاءات عمياء, مهما كان طغيانها وفسادها. كما إن اتخاذ الفعل السياسي صفة دينية، يعطل السياسة نفسها، ويحرفها عن مهمتها الاساسية التي أنشأت لها، وهي تنظيم الواقع الإنساني، وحفظ الوجود الإنساني على أسس عقلانية.

بعبارة أخرى، السياسي مجاله الواقع الموضوعي الخارجي، الذي لا ينتظم إلا بابتكار عقلي، وأسس علمية، والديني مجاله الباطن الإنساني لتحقيق ملاءة الإنسان الروحية، وترسيخ دوافعه الأخلاقية.

ما يجعل من السياسي والديني عنصرين ضروريين معاً، لتأسيس واقع إنساني سوي. فالواقع المحكوم فقط لحسابات المصالح والتقديرات الرياضية الجافة، هو واقع أجوف وفارغ، من أية دوافع نبيلة وعمق إنساني، ويهدد بتحويل الإنسان إلى شيء، والبشر إلى أرقام إحصائية. كما إن الإيمان من دون واقع، يتبصر طريقه بالعقل والعلم، هو إيمان أعمى ومتهور بل مدمر، رغم تدفقاته الروحية وتوتراته الباطنية.

الفصل بين الدين والسياسي، لا يعني أن ينفي كل منهما الآخر ويقصيه

أقول كل هذا، للإشارة إلى خطورة تحويل المناسبات الدينية، مثل مناسبة عاشوراء، إلى حدث سياسي خالص، بأن تعمد الأحزاب السياسية، إلى إعلان وصايتها على هذا الحدث، لغرض تمرير ممارساتها السياسية الحالية، وإسباغ الصبغة الدينية، عليها رغم العطب المنطقي الذي تعانيه، والمأزق الأخلاقي الواقعة فيه، ولبناء الولاءت الشخصية والحزبية، بطريقة شعبوية وحماسية، وترسيخ المماهاة والتطابق، بين الحدث الحسيني وبين واقع السلطة القائم، رغم توحش هذه السلطة وسقطاتها الأخلاقية المروعة. هي وضعية تخرج الحدث الكربلائي عن مقصده الأصلي، وتحوله إلى نقيض نفسه، بأن تُصيِّره أداة سلطة ووسيلة إسكات وقمع، بعدما كان صوتاً صارخاً يملأ الآفاق، برفض كل ذل أو استعباد: “لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد”.

الفصل بين الدين والسياسي، لا يعني أن ينفي كل منهما الآخر ويقصيه بل أن يستقل كل منهما عن الآخر، رغم تداخل آثارهما في الواقع الموضوعي. ما يجعله، أي الفصل، شرطاً ضروررياً لا عرضياً، وحقيقة ماهوية لكل من الديني والسياسي، ليحقق كل منهما غايته ويمارس مهمته، بطريقة ينسجم فيها مع حقيقته بأن يكون هو، لا أن يكون غيره أو يكون نقيضاً لذاته.

السابق
في ألمانيا… اعتقال لبناني اشترى مكونات لمسيّرات لتصديرها إلى حزب الله
التالي
بالفيديو: إليكم هوية المستهدف على الحدود اللبنانية السورية