غلطة «الشاطر» جعجع..ولكن!

ياسين شبلي

في تصريحٍ له مؤخراً، إنزلق رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع إلى مستوى التعليقات الشعبوية، التي نرى أنها لا تليق برئيس حزب، يقول أن مهمته هي العبور بالمجتمع من سلطة الدويلة إلى سلطة الدولة، وذلك برفضه أن تدفع الحكومة اللبنانية لمتضرري الحرب في جنوب لبنان، بحجة أن هذه الحكومة لم تتخذ هي قرار فتح الجبهة، ويطلب من الوزراء الذين وافقوا على هذا القرار أن يدفعوا من جيوبهم للمتضررين.

هذا التصريح – الذي نتمنى أن يكون غلطة “حكيم ” ليس أكثر – لأنه أعادنا بالذاكرة إلى تصريحات زمن الحرب الأهلية، حين كان سمير جعجع في “صباه” قائداً للقوات اللبنانية المسيحية مرتدياً البدلة “الزيتي”، وأزاح صورة الحكيم سمير جعجع رئيس حزب “القوات اللبنانية” الذي شاخ وبات يرتدي البدلة الرسمية وربطة العنق، هذه الصورة التي حاول جعجع ترسيخها طوال 18 عاما، أي منذ خروجه من السجن العام 2005، في عفو أقرَّه مجلس النواب، وتمَّ بدعم إسلامي كبير في محاولة لإزالة آثار الحرب الأهلية وتداعياتها من النفوس، فكان أن بدأت هذه الصورة بالتراجع تدريجياً لدواعي التنافس على الشارع المسيحي، منذ العام 2008 حين دخل غريمه السياسي ميشال عون السلطة بدعم وتفاهم أقرَّه مع “حزب الله”، حتى وصلت ذروتها مع أزمة سعد الحريري في السعودية عام 2017، وقبلها خلافه مع الحريري العام 2015 حول ترشيح سليمان فرنجية للرئاسة، فكان الرد بإتفاق معراب بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، الذي نصَّب ميشال عون رئيساً للجمهورية، ليحل محله في قيادة التيار جبران باسيل، بحيث بدأ الصراع مجدداً بينه وبين جعجع على من يكون “بشير الجميل أو كميل شمعون” الجديد ، فكان أن إنتهى الأمر بهما – كما يقول البعض – نسخة مشوهة من كل من بشير وشمعون.
نعود لتصريح الدكتور جعجع الأخير، لنقول أنه يحق له كما لغيره، أن يحتج ويعترض على أي قرار يتخذه أي طرف لبناني يُدخِل بممارساته البلد في المجهول، بل نذهب أكثر لنقول بأننا نوافقه الرأي بأن فتح جبهة الجنوب في هذه الظروف، وبالطريقة التي جرت فيها ليس في مصلحة لبنان، لكن ما لا نوافقه عليه – كما غيره أيضاً – هو هذا الموقف من المتضررين الجنوبيين، الذين هم في النهاية مواطنين لبنانيين المفروض أن لديهم دولة مسؤولة عنهم، وهم ليسوا مسؤولين عن تقصيرها وعجزها ولا عن خلافات السياسيين، إلى أي بيئة أو طائفة أو مذهب أو حزب إنتموا، وإذا كان هناك من طرف سياسي قد إستولى على قرار الدولة، كما تقول القوات اللبنانية وغيرها، فإن هؤلاء المواطنين ليسوا بمسؤولين أيضاً، عن فشل هذه المعارضات في مواجهته .

ما يقول به جعجع من عدم جواز تعويض المتضررين خطير ويعني فيما يعنيه أن على الحكومة اللبنانية مثلاً أن لا تعوِّض على ضحايا تفجير مرفأ بيروت لأن هناك شكوكاً حول نيترات الأمونيوم

ما يقول به الدكتور جعجع من عدم جواز تعويض المتضررين خطير، ويعني فيما يعنيه أن على الحكومة اللبنانية مثلاً، أن لا تعوِّض على ضحايا تفجير مرفأ بيروت، لأن هناك شكوكاً حول نيترات الأمونيوم وصاحبها وطريقة إستعمالها، فهل هذا ما يريده فعلاً، وكيف يستقيم هذا مع دعوته الدولة إلى تحمُّل مسؤولياتها بمواجهة الدويلة التي نعارضها أيضاً، ونحن من بيئتها الطائفية والمذهبية.

إقرأ أيضاً: شهران على حرب غزة..هدفان إسرائيليان لا يتحققان!

ما هكذا تورد السيادة والعبور إلى الدولة يا دكتور جعجع، فليس بالتمييز بين اللبنانيين نعبر إلى دولة عادلة قوية وطبيعية، وليس ب “العقاب السياسي” الجماعي للمواطنين نوطِّد أواصر المحبة فيما بينهم، ونشدَّهم للإيمان بالدولة بعدما ذاقوا الأمرَّين من غيابها لصالح دويلات من هنا وهناك، بل المطلوب هو تفهم هواجس بعضنا البعض، خاصة في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة، والتي تتشابه كثيراً مع ظروف ما بعد 1967، حيث بدأ الإنفلاش الفلسطيني المسلح في لبنان، فكان إتفاق القاهرة الذي أدى مع أسباب أخرى، إلى الحرب الأهلية التي ما زلنا نعاني من تداعياتها حتى اليوم.

من بديهيات القول، بأن دروب النضال الوطني في لبنان لإقامة الدولة الطبيعية والسيدة والمستقلة، هي دروب وعرة وليست سهلة، ولا يمشيها إلا الأحرار الكبار المتحررون من كل فكر أحادي والمنفتحون على مجتمعاتهم بكل مكوناتها وطبقاتها، كذلك المتحررون من أي إرتباط خارجي لا يصب في مصلحة لبنان أولاً، أما دروب التشنج والتصلب فهي سهلة لكنها في النهاية مدمِّرة، ويمشيها كل من هب ودب من الصغار أصحاب المصالح الشخصية والنوايا الخبيثة السيئة، الذين لا وطن لهم ولا دين ولا طائفة، وهؤلاء موجودون في كل الأديان والطوائف والمذاهب والأحزاب، للأسف.

دروب النضال الوطني في لبنان لإقامة الدولة الطبيعية والسيدة والمستقلة وعرة وليست سهلة ولا يمشيها إلا الأحرار الكبار المتحررون من كل فكر أحادي

إننا ننتهز الفرصة لنتوجه إلى كل الأطراف السياسية لنقول إتقوا الله في هذا الشعب المسكين، الذي يعاني من صراعاتكم منذ ما يزيد على نصف قرن، ونتمنى أن تتم مقاربة الأمور من منطلق وطني لا فئوي ولا طائفي ولا مناطقي، فأي مشكلة في لبنان وبغض النظر عن المسؤول عنها، يجب أن يُنظر إليها – وهي كذلك فعلاً – على أنها مشكلة لبنانية على الجميع مواجهتها، بالحوار أولاً، والصبر وطول الأناة وحسن التدبير ثانياً، ومن ثم بالنضال الوطني الشعبي السلمي والسليم ثالثاً، كما هو حاصل في دول العالم الطبيعية، حتى ولو طال النضال وسيطول، لأن المهمة ليست سهلة، لكن الوطن والمغامرة بإنقاذه مهمة تستحق العناء، وعندما نقول الوطن، نعني لبنان ال 10452 كلم مربع، بذلك فقط قد تعود للبنان حريته وإستقلاله.. ولو بعد حين.

السابق
شهران على حرب غزة..هدفان إسرائيليان لا يتحققان!
التالي
خمس محطات للراعي في زيارته الى صور: نحن معكم ونتحدى كل الظلم من اجل لبنان!