وجيه قانصو يكتب ل«جنوبية»: «طوفان الأقصى» بين رهانين

وجيه قانصو
يخص الدكتور وجيه قانصو «جنوبية» بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته.

فجرت عملية “طوفان الأقصى”، الأسئلة الحرجة في كل الاتجاهات والمستويات، وأيقظت الجميع على أوضاع مغفول عنها أو منسية، أسيء تقدير آثارها أو خطورة تجاهلها. المشهد الحالي ما تزال تحركه رهانات عسكرية وأمنية، من طرفي الصراع المباشرين: “حماس” وحكومة إسرائيل، ليكون بإمكان كل طرف وفق رهاناته، إدخال عناصر قوة وفاعلية غير مسبوقتين، وإحداث وضعيات ميدانية حاسمة، تمكن كل طرف من ترسيخ معادلة موازين قوى مختلفة، وتأسيس قواعد اشتباك جديدة.  

أما “حماس” فقد سعت إلى فرض معطيات جديدة، إن لجهة الكشف عن بنية عسكرية مستحدثة، ذات قدرات قتالية جديدة وإمكانات اقتحامية خطيرة في العمق الإسرائيلي. ما حولها من مجرد قوة صاروخية، تقتصر فعاليتها على إقلاق الخصم، وإرسال رسائل إثبات وجود من حين لآخر، أي مواجهة عن بعد وليس بالمباشر، إلى قوة قادرة على زعزعة الأمن الإسرائيلي الداخلي، ودحض قدرة إسرائيل الردعية، التي اعتمدتها لعقود في توفير الأمن لمواطنيها، وعلى تبديد الثقة والصدقية، بمنظومة الحماية التي كانت تعتمدها إسرائيل، مصدر تباه وأرضية استقطاب مُقنِعة ليهوديي العالم، بالهجرة إليها والعيش فيها بأمان ورخاء.

الاختراق الخطير قابل للتكرار باستمرار حتى لو تلقت “حماس” ضربة عسكرية صعبة من إسرائيل بحكم الوضع الإنساني المهين لسكان الضفة والقطاع

هذا الاختراق الخطير، قابل للتكرار باستمرار، حتى لو تلقت “حماس” ضربة عسكرية صعبة من إسرائيل، بحكم الوضع الإنساني المهين لسكان الضفة والقطاع من جهة، الذي يجعله قنبلة موقوتة وقابلة للانفجار في كل الأوقات، ويخلق منه أرضية خصبة لتجنيد الناقمين على سياسات إسرائيل القمعية والإجرامية، وبحكم توفر مصادر دعم وتمويل وتجهيز وتدريب خارجي، للقيام بعمليات عسكرية في العمق الإسرائيلي، يجعل إسرائيل عاجزة عسكرياً عن منع ما حصل، أو الحؤول دون تكراره مرات عديدة.

رهان “حماس” الآن هو الصمود والبقاء، وترك الآلة العسكرية الإسرائيلية تُخرج كل ما عندها من قدرات تدميرية، وأفعال إبادة، لتثبت للعالم ولإسرائيل، أن إنهائها أمر مستحيل وغير ممكن. ما يعني أن رهان حماس في الإنتصار الآن، هو فقط في الصمود والبقاء، وهو رهان متواضع وسهل إذا قيس برهان إسرائيل الحالي، الذي رفعت فيه سقف حملتها العسكرية، إلى مستويات في غاية الكلفة وتكاد تكون مستحيلة.

رهان “حماس” الآن هو الصمود والبقاء وترك الآلة العسكرية الإسرائيلية تُخرج كل ما عندها من قدرات تدميرية وأفعال إبادة لتثبت للعالم ولإسرائيل ان إنهائها أمر مستحيل

صمود حماس وبقاءها المرجح، رغم جراحها وخساراتها الباهظة بعد الحرب الطويلة، سيمكنها من تصدر المشهد الفلسطيني، وانتزاع زمام المبادرة من السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وفرض الاعتراف الإقليمي والدولي بضرورة إشراكها، ولو بنحو غير مباشر، في أية مفاوضات أو تسويات أو مقترحات لحل الأزمة الفلسطينية. هي رهانات باهظة الكلفة، بخاصة على المستوى الكلفة البشرية في غزة للأبرياء، لكن يبدو أن حماس ماضية فيه، رغم علمها وتقديرها المسبقين، بالكارثة الإنسانية التي حلت بأهل غزة وما تزال مستمرة. 

   أما حكومة إسرائيل، فما تزال في حال رد الفعل على الصدمة، أكثر من تصور سيناريوهات واقعية للتعامل مع الوضع الطارىء. فالحسم العسكري المودي إلى القضاء على حماس غير ممكن، قد تقضي إسرائيل على وجودها العسكري، ضمن نطاق جغرافي ضيق، لكن لن تستطيع إنهائها بالكامل وسيكون لها عودة ولو بعد زمن.

فالحسم العسكري المودي إلى القضاء على حماس غير ممكن قد تقضي إسرائيل على وجودها العسكري ضمن نطاق جغرافي ضيق

رغم ذلك فحكومة إسرائيل ماضية في خلق معطيات جغرافية جديدة، عبر تقليص مساحة التواجد السكاني في قطاع غزة، ليكون بالإمكان احتوائه والسيطرة عليه، وتحويل جزء كبير من قطاع غزة منطقة عازلة لحماية مستوطناتها، وتكثيف ضرباتها التدميرية والإجرامية، وتضييق الخناق على القطاع، وحصاره وحرمانه من ضرورات الحياة من كهرباء وماء وضرورات حياتية. هي وضعيات تنهك أهل القطاع وتضعف قدرتهم على الصمود والاستمرار، وتشغلهم لسنوات طويلة في لملمة جراحهم، وإعادة إعمار ما تهدم، ما يجعل الوضع الإنساني والحياتي داخل القطاع يتقدم، ويتخذ أولوية على استمرار الصراع والمواجهة بوتيرة عالية.

حكومة إسرائيل ماضية في خلق معطيات جغرافية جديدة عبر تقليص مساحة التواجد السكاني في قطاع غزة ليكون بالإمكان احتوائه والسيطرة عليه

رهان حكومة إسرائيل، لا يقتصر على إشغال أهل غزة بآثار الدمار والقتل، لكنها ما تزال في حالة نكران، لمعطى موضوعي إسمه الشعب الفلسطيني، الذي يتجاوز عدده داخل فلسطين التاريخية ستة ملايين نسمة، وإلغاء كامل لحل الدولتين، بتحويل المسألة الفلسطينية من قضية شعب وأرض وحقوق، إلى مجرد مكونات بشرية فائضة يتم حصرها داخل مجمعات سكنية مكتظة. أي تحويلها من قضية سياسية، إلى مجرد قضية إنسانية يتحمل أعبائها المجتمع الدولي كله.

رهان إسرائيل يؤجل المشكلة لكن لا يحلها، وما حصل من تهديد جدي لأمنها الداخلي، لم يعد بالإمكان القفز فوقه. قد يخفف الحسم العسكري من هذا التهديد الجديد لكنه لن يزيله، وستكون لهذا التهديد في كل مرة عودة جديدة، لكن بإيقاع أكثر تعقيداً وفعالية وأكثر تطورا وأشد إيلاماً وفتكاً. 

انسداد أفق الحل العسكري، بمعنى فشل الرهان عليه كخيار حصري ووحيد، لإزالة ما استجد من اختراق خطير لأمن إسرائيل، سيفرض على إسرائيل عاجلا أم آجلاً، البحث عن سبل بديلة أكثر ضمانة واستمرارية، والذي لن يكون سوى السبيل السياسي، أي سبيل التهدئة وحل النزاع، على أسس سياسية واقعية، لا أسس قمعية وأمنية، ما يعطي لحل الدولتين، لكن هذه المرة بمقترحات واقعية وقابلة للتطبيق، زخما قوياً وخياراً أكثر جدية من الخيارات الأخرى المتوفرة لإسرائيل.

هذا الخيار غير متداول في الوقت الراهن، بحكم أن السلطة اليمينية الآن، ما تزال في حال رد الفعل على الصدمة المؤلمة، وما تزال تراهن على قوتها الردعية، التي وفرت لسكان إسرائيل شروط أمان معتبرة، بحكم أن المصير السياسي لليمين الإسرائيلي، بخاصة بنيامين نتنياهو، بات متوقفاً على قدرته على إحراز حسم عسكري كاسح. بالتالي ما تزال الأصوات الداخلية التي تراهن على الحسم العسكري، أكثر حضوراً وهيمنة في صناعة القرار السياسي الإسرائيلي. هو خيار، أي الحل السياسي على أسس واقعية، يفرض على المجتمع السياسي الإسرائيلي، إنتاج ممثليات سياسية أكثر اعتدالاً وأكثر واقعية، في معالجة الملف الفلسطيني.

الواقعية ستفرض نفسها على حماس أيضاً بعد انجلاء الحرب، بعد أن يتبين لها أن خروجها من المظلة العربية، بخاصة الرعاية المصرية، أو إدخال اللاعب الإيراني راعياً للقضية الفلسطينية بديلا عن الراعي العربي، هو انتحار سياسي واقتصادي وإنساني. وأن المسار السلمي لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، بات وجهة تاريخية لدى منظومة الأنظمة العربية، أملتها ضرورات نموها وتطور مجتمعاتها، إضافة إلى خلاصات وعِبَر تجربة الصراع العربي الإسرائيلي الطويل. هي وجهة لم يعد بإمكان “حماس” شق مسار بديل عنها، وإلا تكون قد أخذت القضية الفلسطينية إلى مكان ليس لها.        

السابق
في لبنان: أطباء جاهزون للحرب.. ومستشفيات ميدانية
التالي
خاص «جنوبية»: كلفة الحرب «الموعودة» 3 مليارات دولار في شهرها الاول.. و«السيناريو» المتوقع أسوأ من تموز 2006!