حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: لبنان مسرح للرقص في العتمة

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

يدور لبنان في حلقة مفرغة من الانتظارات الهائمة المتنافسة، كل زعيم من زعماء المنظومة يعيش مفارقة يومية في خياراته، فهو ينعم على مستواه الشخصي ومستوى أفراد عائلته وحاشيته المقربة، بما ناله من خير عميم، وأموال كسبها من ممارسته السياسة من داخل السلطة او من خارجها، وفي الوقت نفسه فهو يزعم تمثيل فريق سياسي وطائفي، ويرفع لواء الدفاع عن مصالح جمهور يتبعه، لكنه جمهور يعاني ابشع الأزمات الخانقة، في كل نواحي حياته المادية والصحية والتعليمية وبقية الخدمات بكافة صنوفها، ورغم معاناة اتباع الزعيم وآلامهم، فإن هذا الزعيم يدعو يوميا مريديه الى الانتظار، ويزين لهم محاسن الصبر والقناعة، وممارسة كل اصناف الصمود، منتظرا صياح خصمه الما ووجعا، ويستعجل متوهما إعلان هذا الخصم استسلامه، وتسليمه بمطالب منافسه والرضوخ لها.

كل فريق يركب اعلى ما في خيله، ويستعمل كل أدوات الضغط والمواجهة والصراع، ويُنصِتُ ويراقب متابعا كل تطور سياسي، او حدث إقليمي او أزمة دولية، ويرصد تأثيراتها على لبنان، علَّها تفسد اوراق قوة الخصم، أو تعزز نفوذ حلفائه وانصاره.

فحزب الله قائد المنظومة وحاميها، يؤمل نفسه بصفقة ايرانية اميركية، تنعكس ايجابا على سطوته اللبنانية، فيمرر انتخاب رئيس جمهورية، جعل كل وظيفته لديه، حماية ظهره من خنجر قد يطعنه، واكتفى من كل مزاياه وكفاءته، بأن يكون وفيا للخط، مطيعا لما تطلبه منه طهران ودمشق.

استبشر حزب الله خيراً وفركت قيادته اياديها مهللة حين تناهى الى اسماعه اتفاق شفهي بين إيران وادارة بايدن

اما الرئيس الذي يأتي ليحل ازمة لبنان المالية، ويستعيد دور مؤسسات الدولة وسلطاتها القضائية والأمنية والدفاعية، وسيادتها المالية على حدودها ومعابرها وداخل حدودها، ويجدد وظائفها الطبيعية في الصحة والاستشفاء والتعليم، والأمن والخدمات العامة في النقل والكهرباء والاتصالات والادارة، ويضع خطة للتوازن المالي واسترجاع الودائع، وتحصيل الاموال المنهوبة او المهربة الى الخارج، واستعادة التعافي الاقتصادي، فهو رئيس لا يناسب حزب الله، ولا يوافق أهدافه ومراميه، ولا يلبي مصالح اطراف المنظومة واطماعها.

استبشر حزب الله خيرا، وفركت قيادته اياديها مهللة، حين تناهى الى اسماعه اتفاق شفهي بين إيران وادارة بايدن، يضع آليات مراقبة من وكالة الطاقة الذرية، تضمن عدم وصول إيران الى صناعة قنبلة ذرية، حصل الاتفاق الشفهي وشرع بتطبيقه، ولم يجن حزب الله ثمارا لبنانية منه؟!

بعد ذلك اتت المبادرة الفرنسية التي اقترحت انتخاب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، مقابل اختيار نواف سلام رئيسا للحكومة، استبشر الرئيس نبيه بري خيرا، وانفرجت اسارير كل زعماء المنظومة، لان انتخاب سليمان فرنجية كان فرصة للمنظومة، لإعادة تعويم نفسها وانتشالها من ازمتها، ولم يكن القبول بنواف سلام كرجل نزيه واصلاحي، الا دلالة على سعي المنظومه لدس سم فسادها وارتهانها للخارج، بعسل نواف سلام وشفافيته ونظافة كفه، متأملة أن تكون الشراكة معه، بطاقة عفو شاملة لتبييض صفحات المنظومة السوداء، وافلاتها من المساءلة والعقاب.

انتخاب سليمان فرنجية كان فرصة للمنظومة لإعادة تعويم نفسها وانتشالها من ازمتها

وعندما تقدمت المبادرة الفرنسية، واعلنت المملكة العربية السعودية، ان ليس لديها اي فيتو على اي مرشح بما في ذلك سليمان فرنجية، كشفت المنظومة عن خبثها ونواياها وبدأ الحديث عن مقايضة بين فرنجية وتمام سلام بديلا لنواف. فإذا كان انتخاب رئيس الجمهورية فرصة لإعادة تعويم المنظومة، الأجدى لها شراكة تمام سلام بدلا من نواف سلام.

لم تجر الرياح حسب اماني المنظومة واحلامها، حتى جاء الاتفاق الإيراني السعودي برعاية صينية، فتجددت أوهام المنظومة بإمكانية نفاذها، في الذهاب الى تركيبة سياسية، تعفيها من تجرع كأس الإصلاحات المطلوبة، وتُهرِبَها من الخضوع لرقابة صندوق النقد الدولي، وتُنجِيها من ملاحقات قضائية دولية ومحلية، تطال جرائمها في تبييض الأموال الناتجة عن الفساد والجريمة المنظمة؛ كتخريب البيئة والشواطئ والاتجار بالمخدرات، وصرف النفوذ والإثراء غير المشروع من السلطة والمال العام.

ومرة جديدة خاب ظن المنظومة وتبددت اوهامها فلا عودة نظام الاسد الى الجامعة العربية اينعت ثمارا في سوريا، ولا عودة العلاقات الديبلوماسية وفتح السفارات بين طهران والرياض، انتج تنازلات لصالح المنظومة في لبنان، على العكس تماما فقد تعمقت ازمة نظام الاسد الاقتصادية، وتفجرت مظاهرات واحتجاجات حول الازمة المعيشية في وجهه، من السويداء حتى الساحل السوري العلوي الحاضن للنظام.

واليوم تأتي صفقة تبادل السجناء بين ايران واميركا، اضافة الى الافراج عن أرصدة ايرانية في كوريا بلغت ستة مليارات $ اميركية، وايداعها مصارف قطرية لكي تشتري ايران بها أصناف سلع، محددة ومقيدة استعمالاتها حسب الاتفاق، كما تكشف زيارة الوفد الحوثي إلى السعودية، والانفراجات التي نتجت عن المحادثات، إلى تقدم ملموس على طريق حل الأزمة اليمنية، وإنتاج تسوية سياسية متوازنة، وقد ترافق ذلك مع تجريد المعارضة الكردية الايرانية المسلحة من سلاحها، الذي كانت تنشره على الحدود العراقية الايرانية، واستعادة الهدوء على حدود إقليم كردستان_ايران على طول ٥٠٠ كلم، وهو أمر ما كان ليقوم به حزب البرزاني لولا موافقة أميركا ورعايتها له.

تجددت اوهام المنظومة بقرب ايام الفرج لها فاستعادت تمسكها بترشيح فرنجية

على وقع هذه الاحداث، تجددت اوهام المنظومة بقرب ايام الفرج لها، فاستعادت تمسكها بترشيح فرنجية، وتملصت من تعهداتها تجاه البنك الدولي، واصرت على انكار ورفض اي برنامج اصلاحي، تم ابلاغ المنظومة به مرارا وتكرارا، منذ باريس ٣ سنة ٢٠٠١ ولغاية الأمس القريب.

لا تفهم المنظومة ان ذلك لن يفيدها، ولا تدرك ان الانتظار يعنيها وحدها وبمفردها، ولا تدرك بكل أطرافها ان نظام التشغيل الذي دأبت المنظومة على إدارة لبنان به، لم يعد مقبولا من أية جهة دولية واقليمية وعربية، وان ممارسة الإنكار والخداع والتسويف والمناورة، لن تغير من مواقف الدول وخياراتها، وان طريق استعادة لبنان لعافيته ودوره ووظيفته الاقتصادية في الاقليم معرضة لأخطار كبيرة، وان مسارات المنطقة وبناها السياسية والاقتصادية، بما في ذلك خطوط نقل الغاز والبترول، والممرات الدولية العابرات للدول والقارات، والبنى التحتية العملاقة في المواصلات والطاقة والكهرباء، تتجاهل لبنان وتضعه على رصيف الأحداث وهوامشها، بحيث يتحول الى منطقة ساكنة هامدة مقفرة، يجري تجنبها او تجاوزها.

المنظومة تمارس قتل لبنان وشعبه، علها تنقذ نفسها، وكلا الامرين يبدو مستحيلا، فلا قتل لبنان متاح لها ولا انقاذ نفسها وإعادة تعويم سلطتها ممكن ومتيسر.

مهما فعل كل هؤلاء منفردين او مجتمعين فلن يثير المسرح اللبناني اي تغيير في تعامل دول الاقليم والعالم

لا عجب في امعان المنظومة في ممارسة هذه اللعبة السياسة، والاستمرار بالرقص على انغامها، فيما لو كان لبنان في صلب احداث الاقليم، او في رأس اولويات دول العالم، لكن الحقيقة التي ينكرها كل اللاعبين على مسرح السياسة اللبنانية، هو ان لبنان وما يحدث فيه لم يعد مهما لأحد، من صناع السياسة في العالم، وان حركة اللاعبين على مسرحه السياسي لم تعد تثير اهتمام احد، او تنال اعجابه، ومهما تفنن طرف في غنائه من هنا او ابدعت راقصة بهز بطنها من هناك، او لاعب موسيقيٌ آلته وأوتارها فعزف شجى والحان، او عبرت شخصية درامية عن حال شخصية مسرحية تاريخية، مهما فعل كل هؤلاء منفردين او مجتمعين، فلن يثير المسرح اللبناني اي تغيير في تعامل دول الاقليم والعالم، لقد تم رسم طريق المستقبل في لبنان، وتم الإعلان عن الخطوات المطلوبة فيه، ولن يثير انتباه احد ضجيج مسرح يرقص شاغلوه في العتمة.

السابق
«إشارة واضحة إلى أن مصالح الدول لا تزال بعيدة عما يتطلبه لبنان».. ماذا جرى في إجتماع نيويورك؟
التالي
«هناك من يلعب مع اللبنانيين».. جنبلاط يشنّ هجوماً على السعودية: ماذا تُريدون؟