أثار طرح قضية اللاجئين السوريين في لبنان مؤخراً بالطريقة التي أثيرت بها، وهي أقرب إلى “الهمروجة” المدبَّرة والمنسقة، الشكوك حول توقيتها والهدف منها و”المايسترو” الذي يوزع الأدوار فيها على البلديات والإعلام، وحتى وسائل التواصل الإجتماعي، بشكل جعل منها القضية رقم واحد، في سلُّم إهتمامات اللبنانيين، وهي القضية المزمنة التي عمرها من عمر الأزمة السورية، وليست أزمة طارئة بدأت اليوم، في محاولة من البعض لتحميل هذه القضية، وزر كل الموبقات التي يشكو منها لبنان، سواء على الصعيد السياسي أو الإقتصادي أو الخدماتي أو حتى الإجتماعي.
محاولات ظالمة وغير منطقية ولا إنسانية خاصة عندما ينحو النقاش منحىً عنصرياً أو طائفياً أو تحريضياً عندها يكون وراء الأكمة ما وراءها
هي محاولات ظالمة وغير منطقية ولا إنسانية، خاصة عندما ينحو النقاش منحىً عنصرياً أو طائفياً أو تحريضياً، عندها يكون وراء الأكمة ما وراءها، مع الإعتراف والتسليم الكامل بوجود مشكلة في هذا الملف، ترخي بثقلها على الوضع اللبناني العام ، وهي نتاج سوء إدارة منذ البداية، تتحمَّل مسؤوليتها الحكومات المتعاقبة بأطرافها المختلفة، وفي المقدمة منهم بعض الذين يسعون اليوم، للتضليل والتحريض وركوب الموجة للتغطية على فشلهم وتقصيرهم، سواء في هذا الملف أو غيره من الملفات والقضايا.
نقول هذا ونحن لسنا من أنصار “نظرية” المؤامرة، لكن التطورات والتجارب علمتنا، أنه في الممارسة السياسة – اللبنانية منها بشكل خاص – لا شيئ يحدث مصادفة، أو بدون تدبير وترتيب وأهداف سياسية وسلطوية، خاصة في ظل إنسداد الأفق السياسي الكامل الذي يعيشه لبنان هذه الأيام، خصوصاً في الملف الرئاسي.
التطورات والتجارب علمتنا أنه في الممارسة السياسة – اللبنانية منها بشكل خاص – لا شيئ يحدث مصادفة أو بدون تدبير وترتيب وأهداف سياسية وسلطوية
فمنذ طرَح الثنائي الشيعي مرشحه للرئاسة سليمان فرنجيه للعلن، بدأ التسويق له داخلياً وخارجياً، على أنه الرئيس القادر على الحوار مع مختلف الأطراف، في الداخل هو قادر على محاورة حزب الله حول الإستراتيجية الدفاعية، وفي الخارج على أنه الوحيد القادر على التواصل مع النظام السوري، حول وضع اللاجئين السوريين وعودتهم إلى بلادهم، وكأني بهم يحاولون إختزال مشاكل لبنان في هاتين المشكلتين على أهميتهما القصوى، وهو ما يوحي بأن هذه النظرة للأمور، ما هي سوى محاولة للهروب، من إستحقاقات الإصلاحات الهيكلية لمؤسسات الدولة اللبنانية كافة، والمطلوبة بإلحاح بشكل باتت أكثر من ضرورية لا بل إجبارية، إذا كان المطلوب فعلاً الوصول بالبلد إلى شط الأمان السياسي والإجتماعي والأمني، وذلك عبر تكريس مرشح المنظومة الحاكمة فرنجية، مرشحاً أوحدا للرئاسة دونه الفوضى أو الفراغ الطويل.
بدأ تسويق هذه النظرية عن فرنجية بشكل علني وواضح، عبر الرئيس نبيه بري في لقاءاته مع السفراء العرب والأجانب المعتمدين في لبنان، من الذين تُعتبر بلدانهم معنية ولها تأثير وإهتمام بالموضوع اللبناني الداخلي، كالولايات المتحدة وفرنسا وكذلك السعودية ومصر. ثم أكَّد على هذه النظرية المرشح فرنجية نفسه في إطلالاته الإعلامية وآخرها الأسبوع الماضي مع قناة “الجديد”، عندما أكَّد بأنه يمتلك ما لا يمتلكه غيره، وهو ثقة السيد حسن نصر الله، وكذلك ثقة الرئيس السوري بشار الأسد – وبالتالي هذا هو برنامجه الوحيد – وذلك بعد أن خضع ل “إمتحان” شفوي في باريس، لم تظهر نتائجه، وهي النتائج التي ستصدر من الرياض على الأرجح، الأمر الذي لم يحصل بعد.
يصبح ربما من الطبيعي جداً ربط الحملة ضد اللاجئين بموضوع إنتخاب الرئيس الوحيد “القادر” على الحوار مع النظام السوري لحل هذه المعضلة
في هذه الأجواء الضبابية وغير المحسومة في هذا الملف، إنفجرت “قنبلة” اللاجئين السوريين، بوجه اللبنانيين والأمم المتحدة ممثلة بمفوضية اللاجئين التابعة لها، وإذا أخذنا بعين الإعتبار، بأن إنتخابات الرئاسة اللبنانية عادة ما كانت تتم على “الحامي” منذ الثمانينيات – بإستثناء إنتخاب إميل لحود بعد الطائف – وحتى اليوم، يصبح ربما من الطبيعي جداً، ربط الحملة ضد اللاجئين بموضوع إنتخاب الرئيس الوحيد “القادر” على الحوار مع النظام السوري لحل هذه المعضلة، وتصبح القضية من “عدة الشغل” للتسويق للرئيس العتيد من ضمن أوراق الضغط المتبادلة، وهذا يجرنا إلى سؤال، عما إذا كان نفس السيناريو سيُعتمد بالنسبة لموضوع سلاح حزب الله، وهل هناك إمكانية “تحمية” أمنية أو عسكرية ما، في منطقة ما من أجل الوصول بالمرشح إلمطلوب ع “الحامي” على إعتبار أنه قادر على حل الموضوع؟ تساؤلات مشروعة في ظل التجاذب السياسي الداخلي، وعجز أي من الطرفين المتصارعين عن ترجيح كفته، هذا التجاذب الذي قد لا يجد له على أية حال، ترجمة عملية في ظل الإتفاق الإقليمي السعودي – الإيراني، الذي لا يزال في مرحلة الإختبار، ولكنها محاولات للضغط والتهويل، إعتاد ممارستها هذا الفريق السياسي في لبنان.
إذا كان فرنجية بمقدوره أن يمون على النظام السوري في هذا الموضوع لماذا لم يبادر منذ سنوات والحرب في سوريا وضعت أوزارها ويقنع “شقيقه” في دمشق بحل هذا الموضوع
هنا لا بد من سؤال برسم المرشح ومؤيديه، وهو إذا كان فرنجية بمقدوره أن يمون على النظام السوري في هذا الموضوع، لماذا لم يبادر منذ سنوات والحرب في سوريا وضعت أوزارها ويقنع “شقيقه” في دمشق بحل هذا الموضوع، كذلك الأمر بالنسبة لموضوع الإستراتيجية الدفاعية مع قيادة حزب الله، للوصول إلى حل يرضي الجميع، وهو الموضوع الذي إستهلك عشرات جلسات الحوار بين اللبنانيين، ولماذا ربْط هذه المواضيع بإنتخابات الرئاسة، وهذه الأمور أصلاً من إختصاص الحكومة والمجلس النيابي، حيث الأكثرية ومنذ سنوات معقودة اللواء لهذا الفريق السياسي، سيما وأنه كان لديهم في سدة الرئاسة حليفهم الآخر ميشال عون، الذي كانت مبرراته للترشح والتمسك بترشيحه، حد فرضه على اللبنانيين عام 2016، هي نفسها مبررات فرنجية سواء بالنسبة لسلاح حزب الله في الداخل، أم لقضية إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم؟ أسئلة كثيرة تختصر معاناة سنين طويلة مع هذا الفريق السياسي في ممارسته للحكم، سواء في حكومات “الوحدة الوطنية” مع الفريق الآخر، التي كان له فيها “بدعة” الثلث المعطل، أم في حكوماته التي شكلها بمفرده سواء حكومة ” القمصان السود ” عام 2011، أو في حكومات ما بعد ثورة 17 تشرين 2019، الثورة التي لم يأل جهداً في محاصرتها وكسرها عبر الترهيب، لنصل جراء هذه الممارسات إلى “جهنم” بإعتراف حليفهم سيد العهد يومها، وها هم اليوم يحاولون إعادة الكرة مرة أخرى ليصلوا بنا ربما – بل أكيد – إلى ما بعد بعد جهنم.

