الاتفاق السعودي الايراني.. مقاربة جديدة للمنطقة العربية والشرق أوسطية

تشهد منطقة الشرق الاوسط والمنطقة العربية، مُتغيرات وتطورات كثيرة وبوتيرة متسارعة، حيث يأتي الاتفاق السعودي الايراني، في مرحلة مفصلية يشهدها العالم، من خلال إعادة رسم مناطق النفوذ للدول الكُبرى، وترتيب مصالحها ومناطق نفوذها، خصوصاً بعد اندلاع الحرب الروسية الاوكرانيا، وما نتج عنها من مُتغيرات جيوبوليتيكية، جعلت من العالم ساحات صراع في جهاته وجبهاته جميعها.

يأتي الاتفاق السعودي الايراني في مرحلة مفصلية يشهدها العالم من خلال إعادة رسم مناطق النفوذ للدول الكُبرى وترتيب مصالحها ومناطق نفوذها

فالعالم القديم ذو القطب الواحد، والذي قام بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينات من القرن الماضي قد سقط، وعلى انقاضه يُبنى عالمٍ جديد متعدد الاقطاب، حتى التحالفات وعلى الرغم من تغليفها احياناً ببعض الشعارات، إلا انها تترنح وتتغير وستشهد تغييراً في القريب الآتٍ من الايام.

من هنا اتى الاتفاق السعودي الايراني، ليتماهى مع نظرةٍ جديدة للعالم العربي ومنطقة الشرق الاوسط وتغيير الاداء، وتغير اساليب اللاعبين الكبار، فمثلا ، القطبين الاقليميين والمتصارعين منذ سنوات طوال، “المملكة العربية السعودية وايران”، قد توصلا بفعل وساطة التنين الصيني، الى توافق وإعادة وصل العلاقات الدبلوماسية المنقطعة فيما بينهما، منذ ما يزيد عن عشر سنوات، وهذا الامر يحمل وسيحمل معه مُتغيرات، تطال المنطقة العربية والشرق اوسطية على جميع مستوياتها.

من هنا اتى الاتفاق السعودي الايراني ليتماهى مع نظرةٍ جديدة للعالم العربي ومنطقة الشرق الاوسط وتغيير الاداء

وكانت تباشير المتغيرات، بدأت في القمم الصينية الثلاث، التي عُقدت في الرياض في بدايات العالم الحالي ٢٠٢٣، القمة السعودية الصينية، والقمة الصينية الخليجية، والقمة الصينية العربية ، والتي خلالها عُقدت اتفاقيات استراتيجية، ادخلت الصين كلاعب اقليمي مهم، خصوصاً مع ما تملكه الصين من امكانيات اقتصادية متطورة ومتسارعة، حتى غدت القوة الاقتصادية الثانية على مستوى العالم، والوحيدة التي تُنافس الاقتصاد الاميركي، والذي إستمر لسنوات طوال منذ مابعد الحرب الكونية الثانية، الاقتصاد الاقوى عالمياً، والذي لم يكُن من قوة اقتصادية منافسة له فيما سبق.

هذا الامر لم يكن، او لم يأت صُدفة ومن دون تخطيطٍ مُسبق، بل نتيجة رؤية جديدة على مستوى الوطن العربي ودوله، يقودها اليوم الامير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء.
هذا الامر يُعتبر جديدا على المنطقة العربية، وتحديداً في بيئة كانت الاكثر مُحافظة وتدين، فبعد ان اعاد ترتيب البيت الداخلي السعودي والمشاريع التربوية والدينية المتطورة، التي تعيشها المملكة وعمليات الانفتاح المدروس، والذي بدأ يؤتي ثماره، انطلق لتثبيت معادلة تصفير المشاكل مع المحيط، ومن هنا انطلقت عمليات تفعيل رؤيته السياسية والاقتصادية للمنطقة وللعالم العربي.

فالانفتاح الثقافي والتربوي والديني، التي تعيشه المملكة اليوم، قلب الامور رأساً على عقب، وفرض موقع جديد للمملكة في المنطقة والعالم، حيث برز الدور الحقيقي للمملكة كقوة دفع، وقاطرة لتطوير المنطقة من خلال مشاريع تنموية مُستدامة بدأت ثِمارها تؤتي أُكُلُها.

يأتي هذا الامر مع حاجة ماسة للنظام الايراني، والذي يعيش حالة اختناق اقتصادي، وعُزلة دولية غير مسبوقة، مع حِراك اهلي ايراني عقب مقتل الفتاة مهسا أميني، والذي خلق حالة إرباك لقادة النظام الايراني، مما دفعهم للتفتيش عن حلول لتُريح الداخل الايراني، وتفتح افاق تسويات مع المحيط ، بعد ان وصل مشروع تصدير الثورة المُتبع، منذ زمن الخميني مؤسس الجمهورية الايرانية الاسلامية الى طريق مسدود، جعل من النظام برمته آيل للسقوط والانهيار.

فالانفتاح الثقافي والتربوي والديني التي تعيشه المملكة اليوم قلب الامور رأساً على عقب وفرض موقع جديد للمملكة في المنطقة والعالم

كل هذه الامور مُجتمعة، اتت بلحظة دولية ونتاج قرار سياسي سعودي وفن إدارة جديدين، حمل المنطقة من حالٍ الى حال، وبرعاية صينية كافلة لتطبيق الاتفاق، خصوصاً أن ايران لا يؤتمن لها بتنفيذ تعهداتها، فيكون الضامن الصيني مضطراً، لإجبار ايران على التنفيذ لما للصين من مصالح استراتيجية، مع المملكة والمنطقة العربية والشرق اوسطية، ولا يمكن لها ان تُفرط بها كرمى لعيون ايران.

هذه الامور، وبما تملكه القيادة السعودية الحالية، من مقومات سياسية وإدارية، تستند على قوةٍ إقتصادية متنامية ومتطورة، ستجعل منها قوة إقليمية وعالمية يُحسب لها الف حساب، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار ان الشعب السعودي، هو شعبٌ فتي، حيث آخر الاحصاءات تتحدث عن ان ٧٠% من الشعب السعودي دون الثلاثين عاماً، وما لهذا الامر من أهمية استراتيجية على مستوى التطور، خصوصاً في مجال استيعاب التكنولوجيا ومُتطلباتها في العصر الحالي .

فالسعودية بحاجة للسلام للإستمرار في تطبيق رؤيتها الجديدة في التنمية داخل المملكة وعلى مستوى الوطن العربي وايران بحاجة ماسة للإستثمارات الاقتصادية، لإنقاذ اقتصادها

إذاً ، هذا الاتفاق يُلبي حاجات الطرفين الموقعين عليه، فالسعودية بحاجة للسلام للإستمرار في تطبيق رؤيتها الجديدة في التنمية، داخل المملكة وعلى مستوى الوطن العربي، وايران بحاجة ماسة للإستثمارات الاقتصادية، لإنقاذ اقتصادها المنهار وللحفاظ على نظامها، مما خلق بيئةً مُناسبة لعقد مثل هذا الاتفاق، والذي سيعود بالخير على مُجمل منطقة الشرق الاوسط والمنطقة العربية بشكلٍ اساس، مع بدء سريان مفعول الاتفاق في اليمن، وسيليه العراق وسوريا ولبنان، وستشهد الفترة القريبة المقبلة، حِراكا سعوديا لاستكمال حلحلة العقبات امام استعادة سوريا الى الحضن العربي، بعد ان تفرض الظروف على النظام السوري، الدخول في التسويات المقبلة، وإما سيبقى معزولاً يتخبط بالازمات التي تجتاحه، بالنظر لما يشهده من ازمات بنيوية وكيانية، كون سوريا القديمة انتهت، وسوريا الحالية تعيشُ احتلالاتٍ متعددة، وتُسيطر على الارض ميليشيات متعددة المشارب والانتماءات، عدا عن ان تجارة البنتاغون والمخدرات، هي المورد الاول والاساس في واردات النظام، كما ستمتد مفاعيل الى الاتفاق الى لبنان، وتجد مشكلة الانتخابات الرئاسية حلحلة، خصوصا بعد انتهاء شهر رمضان الكريم.
إذاً المنطقة العربية مقبلة على مرحلة من الازدهار، رغم كل ما يُحاك في الغرف السوداء من الاعيب واحداث ستحاول وضع العُصي في دواليب الحل ، كحرب السودان المفتعلة بين الاخوة السودانيين والتي حتماً ستنتهي قريباً.

السابق
حسن فحص يكتب ل«جنوبية»: عندما تقدم المعارضة الايرانية «خدمات إسرائيلية»!
التالي
اليكم سعر صرف الدولار صباح اليوم