اللبنانيون «أسرى» أحداث مأساوية تتهدد حياتهم!

لبنان

حفل تاريخ لبنان، في ماضيه القريب، بأحداث دامية لا حصر لها، بحيث تفوّق كلّ منها في خطورته على الآخر.

و تمثلت الأحداث التي وصِفت انعكاساتها ب”الكارثية”، في حرب أهلية سادتها عمليات تصفية متبادلة بين مختلف شرائح اللبنانيين وطوائفهم. و جاء الاحتلال الاسرائيلي، ليوسِم وجوده بجرائم انسانية و أخلاقية، نذكر منها مجرزة قانا التي تدخل في ذكراها الأليمة السنة السابعة و العشرين (١٨ نيسان-١٩٩٦). كما أدّت استباحة سيادة لبنان من قبل جهات اقليمية، سعت إلى “تجنيده” عبر ميليشياتها، لتحلّ ملفاتها العالقة دورها في إضعاف الدولة اللبنانية و الانقضاض على مؤسساتها. و بدورها أيضاً، ترجمت سلسلة الاغتيالات، التي استهدفت شخصيات وطنية، وجود “ظلامية” سياسية و فكرية.

وأتى الفساد، الذي استشرى في مؤسساته وأجهزته على المستويات كافة، ليُسقط لبنان في أزمات اقتصادية عنيفة، أدّت إلى انهيار عملته الوطنية ناهيك عن البطالة وغياب الضمان الصحي و ضعف التعليم الرسمي…

كان لا بدّ من الأشارة إليها، ولو بإيجاز سريع، ليصار إلى فهم أعمق لتأثير ما عايشه اللبنانيون من تجارب أليمة على الجانب النفسي من حياتهم

ولسنا هنا في صدد عرض تاريخي مفصّل، لهذه الأحداث المأساوية وتحليلها، لكن كان لا بدّ من الأشارة إليها، ولو بإيجاز سريع، ليصار إلى فهم أعمق لتأثير ما، عايشه اللبنانيون من تجارب أليمة على الجانب النفسي من حياتهم.

بمعنى آخر، يشكّل هذا العرض المقتضب، نقطة ارتكاز للانطلاقة نحو مقاربة انعكاس ما جرى من أحداث، على الحياة النفسية للبنانيين، بالإضافة إلى التعرّض لسبب استمراريته، أي هذا الانعكاس.

يشكّل هذا العرض المقتضب نقطة ارتكاز للانطلاقة نحو مقاربة انعكاس ما جرى من أحداث على الحياة النفسية للبنانيين بالإضافة إلى التعرّض لسبب استمراريته، أي هذا الانعكاس

تتأثر الحياة النفسية للفرد، وكما هو معروف، بكلّ ما يختبره من أحداث، سواء كانت جيدة أو سيئة. وبشكل أدقّ، كلما عاش الفرد أحداثاً مؤلمة، و خصوصاً في مرحلة الطفولة، يتهدّد استقراره النفسيّ ويصبح أكثر عرضة للاضطرابات النفسية . لذلك من الطبيعي أن تسبب الأحداث الأليمة أزمات نفسية حادة، فيجد الفرد نفسه عاجزاً عن إنقاذ نفسه منها، وسيّما في حال لم يتمتع بحصانة نفسية.

كانت النتيجة أن اجتاحتهم “السلبية” و تمكّن الخنوع من نسبة كبيرة منهم وباتوا يتتظرون “الحتف” أو الموت!

ولا يخفى من أن هذه الأحداث المأساوية التي عصفت بلبنان، لم تعطِ حتى لنفسها هدنة أو إجازة، كما يُقال. بمعنى آخر لم تتح للبنانيين فرصة لالتقاط أنفاسهم نتيجة تراكمها السريع. وكانت النتيجة أن اجتاحتهم “السلبية”، و تمكّن الخنوع من نسبة كبيرة منهم. وباتوا يتتظرون “الحتف” أو الموت!

و ما نلاحظه أن اللبناني، و بسبب تراكم الصدمات، لم يجد فرصة تسنح له، التحرّر ممّا كدّسه من ذكريات أليمة سيطرت على حياته، وشلّت تفكيره، وأضعفت قدرته على مقاومتها. بمعنى آخر، في كلّ مرة يحصل حدث أليم أو صدمة، يستعيد اللبناني كلّ ما عاشه من تهديد لحياته. وهنا ، لا بدّ لنا من أن نستذكر فرويد في نظريته حول عودة المكبوت. إذ يعود لينتقم!.. و كأنه ينتظر الفرصة، المتمثّلة في أي صدمة يتعرّض لها الفرد ليعود من جديد، و يفرض سيادته على الحياة النفسية.

في كلّ مرة يحصل حدث أليم أو صدمة يستعيد اللبناني كلّ ما عاشه من تهديد لحياته

ومن هذا المنطلق، يمكن القول أن المواطن اللبناني واقع تحت وطأة الخوف الدائم على الحياة و انتظار الموت!… و ما يحصل هو أن قدرته على تذكر الأحداث المفرحة، التي تسهم في انتعاشته على المستوى النفسي تضعف أكثر فأكثر. وأما بالنسبة إلى ادراك الوقت، فيصيبه الخلل. إذ يبقى أسيراً في البعد الزمني للأحدث المأساوية، لذلك نراه خائفاً من التفكير في المستقبل، لأنه يتوقع المزيد من خيبات الأمل و الفشل.

في وسط ازدحام هذه الأحداث و تراكم صدماته، يشعر اللبناني بفقدانه لانسانيته نتيجة شعوره الدائم بأنه معدوم الحياة!….

يمكن القول أن أحداث لبنان خلفت الكثير من الجرحى، لكن من دون جروح ظاهرة. تبدو هذه الأخيرة كامنة، و تتجلّى في جرح نرجسي كبير نتيجة سوء تقدير الذات، بسبب الشعور بالعجز عن تغيير واقع أليم، و البقاء في أسر ذكريات أليمة، وعجز عن الحصول على مستوى اقتصادي لائق!…

أحداث لبنان خلفت الكثير من الجرحى، لكن من دون جروح ظاهرة تبدو هذه الأخيرة كامنة و تتجلّى في جرح نرجسي كبير نتيجة سوء تقدير الذات

و بما أن الاحداث الأليمة و تبعاتها أيضاً، تنتقل عبر الأجيال من خلال إحيائها، فإنها تُدخل ، مع الوقت، تحولاً في ثقافة المجتمع لتصبح ثقافة موت. وما يحصل أيضاً هو أن ما ينتقل من أحداث سياسية ، لا ينقل معه فقط الذكرى، و إنما أيضاً كل ما حملته من إيديولوجيات و انفعالات. إذ يتمّ حراك بين الأجيال، عن قصد أم لا، على المستوى السياسي الذي يحمل ضمناً ما هو إيديولوجياً و انفعالياً . ولعلّ مظاهر احياء الاحداث التاريخية ، سياسية كانت أم دينية أم اجتماعية، ما هي إلا انعكاساً لاعادة انتاج لواقع سياسي أو تركيبة سياسية معينة.

هناك من يتعمّد احياء أحداث، صحيحة كانت أم لا لكي يستطيع الإطباق أكثر على عقول الشباب و لكي يضمن عملية استمرار نقلها من جيل إلى جيل.

و ما يحصل في لبنان هو أن هناك من يتعمّد احياء أحداث، صحيحة كانت أم لا، لكي يستطيع الإطباق أكثر على عقول الشباب، و لكي يضمن عملية استمرار نقلها من جيل إلى جيل. وكأنها عملية تدجين، لا أكثر و لا أقل!….

خلاصة، لقد سعت السلطة السياسية في لبنان، إلى تعزيز عملية توارث ايديولوجيات تضمن لها استمرارية هويتها الطائفية. بمعنى آخر، لم يعد احياء الأحداث، و سيّما الأليمة منها، درساً للتعلم من الأخطاء الماضية، كما يُقال، بقدر ما أضحى وسيلة سهلة لإيقاع الأجيال؛ أكثر فأكثر، في مستنقع التعصّب الطائفي!…

السابق
بالفيديو: 117 كلغ من اللحوم الفاسدة في المصيلح ..و«تشميع» الدكان وصاحبها!
التالي
رسميًا.. تطبيق إلكتروني لأسعار المحروقات