«المارونية السياسية» وعقدة الإصلاح والرئاسة.. من الحرب إلى إتفاق الطائف 2/3

ياسين شبلي
أعد الكاتب والمحلل السياسي ياسين شبلي دراسة سياسية تحليلية نقدية خاصة، تقع في ثلاث حلقات ينشرها "جنوبية" تباعاً، تغوص في محطات ووقائع و شواهد، تسرد تاريخ "المارونية السياسية" في لبنان و"عقدة الإصلاح والرئاسة" المتلازمة معها، منذ نشأتها ابان الإستقلال مرورا بالحرب اللبنانية وإتفاق الطائف وصولا الى "العهد القوي"، والصراعات والحروب والنزاعات الداخلين بين اركانها السياسيين والحزبيين من جهه، وبين اركان "الطائفيات السياسية" الأخرى المقابلة.

لم تكن الحرب الأهلية بطبيعة الحال نزهة، لكافة الأطراف المشاركة فيها من لبنانيين وفلسطينيين، بل كانت أشبه برمال متحركة يغرق فيها الجميع كل بدوره بحسب موازين القوى في المنطقة،  وبحسب مصالح كل طرف خارجي من الذين باتوا لاعبين، بعد أن تحول لبنان ساحة حرب ساخنة لتصفية الحسابات بين الدول المتصارعة في المنطقة في إطار الحرب الباردة بين الجبارين، الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد السوفياتي، فكان أن إندلعت حروب صغيرة كثيرة ضمن الحرب الكبيرة، وضمن كل فريق من الأفرقاء والموارنة منهم في الطليعة بطبيعة الحال، الذين ما لبثوا وبهدف التخلص من المقاومة الفلسطينية ومعها الحركة الوطنية وبرنامجها للإصلاح السياسي، أن لجأوا لطلب العون من النظام السوري الذي لم يتأخر بإدخال قواته إلى لبنان، بموجب إتفاق الأسد – مورفي عام 1976 في محاكاة للإتفاق الأميركي – المصري إبان أزمة 58، ولكن حساب الحقل الماروني لم يتطابق مع حساب البيدر السوري.

فكانت المواجهة بين الجانبين خاصة مع تغير الظروف الإقليمية في أعقاب زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس المحتلة،  التي قلبت الأمور في المنطقة رأساً على عقب، وبات الإمساك بالورقتين اللبنانية والفلسطينية ضرورة للنظام السوري لحماية نفسه ودوره في المنطقة، الأمر الذي لم يرق لليمين المسيحي فوقع الصدام وكانت معركة ال 100 يوم في الأشرفية في العام 1978، التي أدت لإنسحاب القوات السورية من المنطقة الشرقية لبيروت، وسطع بعدها نجم بشير الجميل كقائد شعبي وعسكري شاب وديناميكي، لا يلبث أن تظهر عليه أعراض الطموح كأي ماروني إلى تبوء سدة الرئاسة الأولى، فكيف بالحري وهو إبن المؤسسة المارونية السياسية والحزبية الأهم في ذلك الحين.

كان التوجه الماروني هذه المرة نحو إسرائيل للتخلص من “الشريك السوري” من جهة، ومن “العدو” الفلسطيني وحليفه اليسار اللبناني من جهة أخرى

 كان التوجه الماروني هذه المرة نحو إسرائيل للتخلص من “الشريك السوري” من جهة، ومن “العدو” الفلسطيني وحليفه اليسار اللبناني من جهة أخرى، ما أدى بالإضافة إلى خلافات أخرى على مناطق النفوذ، وطبعاً حسابات معركة الرئاسة المقبلة، إلى وقوع الصدام ما بين الكتائب بقيادة بشير الجميل وقوات جيش التحرير الزغرتاوي،  التابعة لطوني فرنجية نجل الرئيس السابق سليمان فرنجية – قبل أن يتغير إسمها إلى قوات المردة بعد ذلك – هذا الصدام الذي إنتهى بمجزرة إهدن ومقتل طوني فرنجية وعائلته والعشرات من أنصاره كما هو معروف. 

أطلق امين الجميل حملة لنزع السلاح وتم إختطاف مئات الشبان الذين لم يعثر لهم بعدها على أثر، من دون أن يقوم بأي جهد مماثل لنزع السلاح في المنطقة الشرقية

ما حدث مع فرنجية الأب والإبن عاد وتكرر مع شمعون الأب والإبن داني شمعون، هذه المرة تحت شعار توحيد البندقية المسيحية وأمن “المجتمع المسيحي”، فكانت مجزرة الصفرا في تموز 1980 التي أدت إلى تصفية ” نمور الأحرار ” ولجوء داني شمعون إلى المنطقة الغربية من بيروت – يا لسخرية السياسة في لبنان – حيث خصومه من لبنانيين وفلسطينيين، وإستتب الوضع في المنطقة الشرقية لبشير الجميل، الذي جمع الميليشيات المسيحية المختلفة تحت إسم “القوات اللبنانية” في الوقت الذي كان يسعى لرئاسة الجمهورية، الأمر الذي تحقق له مع الغزو الصهيوني للبنان عام 1982، الذي وصل إلى بيروت ليتم “إنتخابه” بحراسة الدبابات الإسرائيلية وبمعارضة إسلامية كبيرة، قبل أن يُقتل بعد حوالي ثلاثة أسابيع وقبل تسلمه مهامه الدستورية، في إنفجار بيت الكتائب في منطقة الأشرفية لتؤول الرئاسة من بعده إلى أخيه أمين الجميل بموافقة إسلامية هذه المرة كونه من ” حمائم ” حزب الكتائب وليس من ” صقوره ” كشقيقه الراحل بشير، لتبدأ مرحلة جديدة من فصول الأزمة اللبنانية بنزول قوات متعددة الجنسيات ومن ضمنها قوات أميركية وفرنسية للحفاظ على “الأمن” بعد مجازر صبرا وشاتيلا التي أعقبت إغتيال بشير  الجميل، والتي إستغل أمين الجميل وجودها لتعزيز وتثبيت سلطته بمنطق الغلبة، خاصة على المنطقة الغربية التي يقطنها غالبية إسلامية بعد خروج القوات السورية والفلسطينية منها، حيث أطلق حملة لنزع السلاح وتم إختطاف مئات الشبان الذين لم يعثر لهم بعدها على أثر، من دون أن يقوم بأي جهد مماثل لنزع السلاح في المنطقة الشرقية، ما أجج المشاعر مجدداً خاصة مع الإستفزازات التي بدأت تقوم بها “القوات اللبنانية” يومها في الجبل ،  وأدت لإندلاع المعارك بتغطية إسرائيلية مع طائفة الموحدين الدروز بقيادة الحزب التقدمي الإشتراكي، الذين رأوا في هذه الحرب قضية حياة أو موت، فكانت الهزيمة من نصيب القوات اللبنانية، خاصة مع إنسحاب القوات الإسرائيلية بطريقة مفاجئة ومريبة ، وتزامن ذلك مع معارك ضارية بين الجيش اللبناني وحركة أمل في ضاحية بيروت الحنوبية، التي نالها النصيب الأكبر من القصف والتدمير والقتل، فكانت إنتفاضة 6 شباط 1984 وإنقسام الجيش ليعود الإنقسام بين شرقية وغربية، بسبب إتباع سياسة الثأر والإنتقام من قبل سلطة أمين الجميل.

إنكفاء كل من سلطة أمين الجميل والقوات اللبنانية مجدداً إلى داخل المنطقة الشرقية من بيروت فجر الصراع الماروني – الماروني على السلطة مجدداً

هذه التطورات وإنكفاء كل من سلطة أمين الجميل والقوات اللبنانية مجدداً إلى داخل المنطقة الشرقية من بيروت،  فجر الصراع الماروني – الماروني على السلطة مجدداً، وكان هذه المرة بين أمين الجميل والقوات اللبنانية التي لم تكن على وفاق معه منذ ما قبل إغتيال بشير، فكانت “الإنتفاضة” الأولى في المنطقة الشرقية التي قام بها كل من إيلي حبيقة وسمير جعجع، ضد قائد القوات اللبنانية الموالي للمكتب السياسي لحزب الكتائب  فؤاد أبو ناضر في العام 1985، قبل أن يعود جعجع لينتفض على إيلي حبيقة بالإتفاق مع أمين الجميل هذه المرة – على طريقة ميكافيللي عن الغاية التي تبرر الوسيلة – على خلفية الإتفاق الثلاثي الذي وقعه حبيقة مع أمراء الحرب نبيه بري ووليد جنبلاط برعاية سورية أواخر عام 1985، ليتم الإنقضاض عليه بعدها بعدة أيام أوائل العام 1986، ويتسلم سمير جعجع قيادة القوات اللبنانية التي تعايشت بعدها على مضض مع سلطة أمين الجميل وقائد الجيش ميشال عون، الذي كان له دور بارز في إنقاذ إيلي حبيقة، من المجلس الحربي الكتائبي في الكرنتينا إبان معركة الإتفاق الثلاثي، وذلك كما قيل يومها لحساب السوريين وبالإتفاق معهم، فيما أعتبر يومها بداية تقديم أوراق إعتماده كمرشح جدي لرئاسة الجمهورية، التي كان قد بدأ الإعداد لها على عادة الزعماء الموارنة ، بحيث يكون النصف الأول من الولاية، لترسيخ وتثبيت السلطة ويكون النصف الثاني للعمل على محاولة التمديد أو التجديد، بالرغم من عدم دستورية هذا الأمر. تصاعدت الأحداث والتطورات بين الأطراف السياسية المتصارعة، في المنطقتين الشرقية والغربية وداخل كل منطقة على حدة، ففي المنطقة الشرقية محاولات من قبل قوات إيلي حبيقة للعودة إنطلاقاً من المنطقة الغربية، بدعم من حلفاء سوريا حركة أمل والحزب التقدمي الإشتراكي، الذين وقعوا معه  الإتفاق الثلاثي كما ذكرنا، وكذلك بعض الصدامات المتفرقة بين الجيش اللبناني والقوات اللبنانية. 

تم القضاء بداية على حركة  “المرابطون”، التي كانت تمثل بشكل أو بآخر وبالمنطق الطائفي اللبناني سُنة بيروت  على يد حركة أمل والحزب التقدمي الإشتراكي

في المنطقة الغربية توتر وخلافات وإغتيالات، على خلفية طرح الإدارة المدنية لمدينة بيروت، من قِبل قوى اليسار لتكون بديلاً عن سلطة الدولة، وصدامات مسلحة بين حلفاء سوريا من جهة وحلفاء منظمة التحرير الفلسطينية من جهة أخرى، تم القضاء فيها بداية على حركة  “المرابطون”، التي كانت تمثل بشكل أو بآخر وبالمنطق الطائفي اللبناني سُنة بيروت  على يد حركة أمل والحزب التقدمي الإشتراكي، وبعدها تم التضييق على الشيوعيين الذين تعرضوا أيضاً إلى موجة إغتيالات، طالت عدد كبير من قياداتهم ومفكريهم ، قبل أن يدخل الطرفان – أمل والإشتراكي – في صدامات بينهما في شوارع بيروت، أبرزها ما سمي يومها “حرب العلمين” التي دفعت بزعماء بيروت من السُنة لإعادة الإستنجاد بالقوات السورية، بحيث طلبوا منها العودة إلى بيروت لوقف الإقتتال، في الوقت الذي بدأت قيمة الليرة اللبنانية بالتراجع أمام الدولار الأميركي، كما تم إغتيال رئيس الوزراء رشيد كرامي بإنفجار في طوافة للجيش اللبناني، وهي العملية التي أتهمت فيها ولا تزال القوات اللبنانية وزعيمها سمير جعجع، كما أرخت بظلالها على حظوظ قائد الجيش ميشال عون للترشح لرئاسة الجمهورية، التي ومع إقتراب موعدها أعلن الرئيس السابق سليمان فرنجية ترشحه بدعم سوري وهو ما أُعتبر مرشح تحدي، تدخلت على إثرها الولايات المتحدة عبر موفدها ريتشارد مورفي، وتوافقت مع سوريا على مرشح توافقي هو النائب مخايل الضاهر، وكان الشعار الشهير الذي طرح أمام كل اللبنانيين والموارنة بشكل خاص، هو “!مخايل الضاهر أو الفوضى” ، وأختارت الزعامات المارونية ونوابها يومها الفوضى،!

فشلت كل محاولات التوافق في الربع الساعة الأخير، ما أدى إلى تسليم الحكم إلى حكومة عسكرية برئاسة قائد الجيش آنذاك ميشال عون

مدفوعة ربما بإنتصار النظام العراقي ألد أعداء النظام السوري في المنطقة، إنتصاره في حربه ضد إيران بعد حرب دامت ثماني سنوات، ما أوحى للبعض ربما بإمكانية مواجهة الإتفاق الأميركي – السوري، الأمر الذي أدى إلى نهاية عهد أمين الجميل دون إنتخاب البديل، وفشلت كل محاولات التوافق في الربع الساعة الأخير، ما أدى إلى تسليم الحكم إلى حكومة عسكرية برئاسة قائد الجيش آنذاك ميشال عون، وتضم أعضاء المجلس العسكري الستة بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، الأمر الذي رفضته حكومة الرئيس سليم الحص، ما أدى إلى إنسحاب الضباط المسلمين من الحكومة العسكرية، فإستمر ميشال عون بالوزراء الضباط المسيحيين وبات البلد يُحكم برأسين، سليم الحص في المنطقة الغربية وميشال عون في المنطقة الشرقية، في شهر آذار من العام 1989 أعلن ميشال عون ما أسماه “حرب التحرير” ضد القوات السورية في لبنان، وكانت من أشرس معارك الحرب الأهلية اللبنانية، وكلفت مئات القتلى وآلاف الجرحى، ما إستدعى تدخل الجامعة العربية بداية عبر لجنة وزارية سداسية، ومن ثم لجنة رئاسية ثلاثية أفضت محاولاتها إلى ترتيب إجتماع للنواب اللبنانيين في مدينة الطائف السعودية، أسفر عنه ما بات يعرف بإتفاق الطائف، الذي وافقت عليه كل الأطراف اللبنانية، بما فيها “القوات اللبنانية” بإستثناء ميشال عون، الذي لم يعترف بإنتخاب الرئيس رينيه معوض كأول رئيس بعد الطائف ، وهو الذي أغتيل بعد إنتخابه بأيام، بإنفجار سيارة مفخخة بموكبه يوم عيد الإستقلال في 22 تشرين ثاني من العام 1989، ولا بخليفته الرئيس إلياس الهراوي وهو الأمر الذي أدخل لبنان مرة أخرى، في صراع عسكري وحرب مارونية – مارونية بين الجيش اللبناني والقوات اللبنانية وهي ما أصطلح على تسميتها بحرب الإلغاء، وكلفت المناطق المسيحية ثمناً بشرياً وإقتصادياً وسياسياً باهظاً، بحيث أدت في نهاية المطاف إلى الإطاحة بميشال عون، بتدخل عسكري سوري شارك فيه الطيران لأول مرة، بغطاء من الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي مقابل موافقة نظام الأسد على المشاركة في حرب الخليج الأولى، التي عرفت بحرب تحرير الكويت، وهو ما أدى إلى سقوط ميشال عون وفراره إلى السفارة الفرنسية لاجئاً، تاركاً وراءه ضباطه وجنوده وحتى أفراد عائلته، ليدخل لبنان بعدها عصر إتفاق الطائف. 

يتبع

السابق
بعدسة «جنوبية»: مع اقتراب ذكرى انفجار المرفأ.. النواب التغييريون يُطالبون بالحقيقة
التالي
الدولار الأسود على حاله.. كيف أقفل؟