روحاني ينتفض على المرشد

لا شك ان حديث حسن روحاني الرئيس الايراني عن محدودية صلاحيات رئيس الجمهورية اثارت الكثير من ردود الفعل بين مراكز النظام، واعادة قيادة النظام بالذاكرة الى مرحلة الرئيس الاسبق محمد خاتمي الذي رفع  شعار تعديل صلاحيات الرئيس الدستورية واخراجها من موقع تنفيذي لا يمتلك صلاحية التقرير الى موقع الشريك النافذ والفاعل في القرارات المصيرية والاستراتيجية الداخلية والخارجية للنظام والدولة.

روحاني استغل مناسبة الافطار الرمضاني الذي اقامه في رئاسة الجمهورية ودعا له شخصيات سياسية وحزبية من جميع الاطياف المحافظة والاصلاحية والمعتدلة، للدفاع عن صلاحياته كرئيس للسلطة التنفيذية، شاكيا عدم تمتعه بحرية اتخاذ القرار في اي من القضايا المصيرية التي تعني الدولة ومؤسساتها وبالتالي تنعكس على اهتمامات النظام جميعا، وتلميحه بان موافقته على بعض القرارات يدخل تحت عنوان الحرص على وحدة الصف الداخلي والوفاق الوطني الذي تحتاجه ايران في هذه المرحلة للعبور من الازمات التي تواجهها.

ردة الفعل الاولى على كلام روحاني جاءت من رئيس السلطة القضائية ابراهيم رئيسي الذي اكد ان “كل السلطات والمؤسسات والمسؤولين يتمتعون بالصلاحيات الكافية والقانونية من اجل القيام بواجباتهم” وان “المرشد منح كل السلطات الصلاحيات الكافية”.

بعض الاصوات الاصلاحية ايضا كانت في الجهة المعارضة لروحاني في هذا التوصيف “غير المقبول”، اذ اعتبر مصطفى كوكبيان النائب عن طهران وعضو لجنة الامن القومي والسياسة الخارجية البرلمانية ان روحاني على العكس مما يدعي يتمتع بالصلاحيات الكافية واللازمة للقيام بعمله في السياسة الخارجية والداخلية، انطلاقا من كونه رئيسا للمجلس الاعلى للامن القومي وغيره من المجالس ما يعطيه صلاحيات واسعة، وانه “اذا كانت هناك مسائل تصدر بناء على موافقة القائد بموجب الدستور، فانها تكون بناء على رأي استشاري لمختصين وخبراء، لذا فلا مكان للحديث عن التردد والتلكؤ في تنفيذ الوعود التي قدمتها”.

انتفاضة روحاني دفاعا عن صلاحياته تأتي نتيجة لتراجع وتقليص دور رئاسة الجمهورية والحكومة، خاصة وزارة الخارجية في اتخاذ القرار الذي تعتقد انه مناسب لايران على صعيد العلاقات الخارجية، وان القرارات الاستراتيجية، خصوصا الاخيرة الخاصة المتعلقة بخفض التزامات وتعهدات ايران ببعض مواد وبنود الاتفاق النووي حول حجم المخزون من اليورانيوم المخصب والماء الثقيل لم يكن للحكومة دور فيها، وصدرت عن المجلس الاعلى للامن القومي وان كان هو من يتولى رئاسته، الا ان آليات القرار فيه تخضع لاشراف المرشد ورأيه الذي يبلوره بناء على مشورة مع القيادات الامنية والعسكرية ويمتلك الرأي المرجح داخل هذا المجلس من خلال تعدد ممثليه وتبعية ممثلي السلطات الاخرى لرأيه، ما يجعل بالتالي الرئيس في دائرة الاقلية في حال كان لديه رأي مخالف.

روحاني الذي يتحمل الجزء الكبير من المسؤولية في تهميش صلاحيات موقع رئاسة الجمهورية في القرار، يعتبر شريكا في وصول الامور الى هذا المستوى من التهميش لدوره ودور الدبلوماسية الايرانية في القرار المتعلق بالملف النووي عندما وافق ودفع منذ البداية الى حصر القرار خارج المؤسسات الرسمية ووضعه في دائرة صلاحيات المجلس الاعلى للامن القومي، وقد ادى ذلك حتى الى تهميش دور البرلمان الذي سحبت منه صلاحية الاطلاع ومناقشة نصوص الاتفاق وملحقاته لصالح الامن القومي واقتصار دور النواب بالتصويت على الرؤية التي قدمها هذا المجلس (الامن القومي) حول الاتفاق والمؤلفة من 6 صفحات فقط بدل الاطلاع على اكثر من 100 صفحة للاتفاق وملحقاته. وما كان لروحاني ومجلس الامن القومي ان يقوما بهذا التهميش من دون دعم واضح من مرشد النظام الذي يملك دستوريا صلاحية تعطيل دور اي من مؤسسات النظام لصالح صلاحيات “ولي الفقيه المطلقة”.

عودة روحاني للحديث عن صلاحيات الرئيس في هذه المرحلة التي تشهدها ايران والتوترات القائمة مع الولايات المتحدة والعقوبات المشددة التي تتعرض لها البلاد، تكشف عن وجود اختلاف في وجهات النظر بينه وبين المرشد حول آلية التعامل مع التهديدات الجديدة، وعن تبني روحاني لرؤية الحوار وعدم التصعيد مع واشنطن لحل الخلافات والتوصل الى تفاهمات جديدة بحيث تحافظ ايران على الحد الممكن من انجازاتها في البرنامج الصاروخي والدور الاقليمي وتعطي لواشنطن مخرجا يحقق لها بعضا من الاهداف التي اعلنتها كأسباب للانسحاب من الاتفاق وفرض العقوبات. وما حديثه (روحاني) عن 19 طلبا تقدم بها الرئيس الامريكي السابق باراك اوباما لعقد لقاء مباشر معه وبحث العلاقات الثنائية والتفاهم حول كل الملفات العالقة بين الطرفين، سوى اشارة واضحة الى ان الحائل دون حصول هذا اللقاء جاء من قبل مرشد النظام، وان السماح باللقاء مع اوباما في حينها كان ليجنب ايران ما تعانيه من ازمات في الوقت الراهن.

من هنا يمكن فهم اللهجة الحادة والنبرة العالية التي اعتمدها مرشد النظام في رفض التفاوض والاصرار على الصبر والاستمرار في ما سماه “حرب الارادات” في مواجهة مطالب الادارة الامريكية التي تريد من ايران التخلي عن نقاط واوراق قوتها في البرنامج الصاروخي والنفوذ الاقليمي الاسترتيجية، منطلقا من اعتقاده الراسخ بان “لا حرب” بين بلاده وواشنطن، وان المرحلة تتطلب “صبراً استراتيجياً” لان اي تفاهم جديد واي اتفاق جديد قد يكون بمثابة “تجرع السم بكميات مضاعفة”  في اشارة الى ان اي مفاوضات لا شك ستجبر ايران على تقديم تنازلات مؤلمة تعيد الى الذاكرة التنازلات التي قدمتها عام 1988 عندما اعلنت موافقتها على قرار مجلس الامن رقم 598 لانهاء الحرب مع العراق والتي وصفها مؤسس النظام آية الله الخميني بأن الموافقة على القرار الدولي بمثابة “تجرع السم”.

اقرأ أيضاً: إيــران ستستـهــدف إســرائـيــل إذا اندلعت الحرب: أربعة سيناريوهات

آخر تحديث: 17 مايو، 2019 10:06 ص

مقالات تهمك >>