وفيما كانت السلطات الرسمية اللبنانية مطالبة بحراك سياسي من شانه البحث في اسباب الاستقالة وفي مقاربة الحدث بصفته ينطوي على دلالات سياسية لا بد من معالجتها، راينا هذه السلطة تمعن في لعبة الاستغراق في شكل الاستقالة وملابساتها.
القاسم المشترك بين كل اجنحة الطبقة السياسية هو التواطؤ على تغييب اصل المشكل في الازمة الراهنة، والذي يكمن في تخلي هذه السلطة بكل اجنحتها عن السيادة الوطنية، وفي كونها سلطة تعتاش وفق معادلة تقوم على مقايضة سلاح حزب الله، وتمرير كل سياساته الساعية الى القبض على القرار الوطني اللبناني والخارجي، مقابل استمرار نهج يساهم في ترسيخ هشاشة الدولة، وتحويلها الى شركة محاصصة يتوزع القائمون عليها الحصص والمناصب، والى فضاء للغنيمة والنهب المعمم على الاقتصاد، ومالية الدولة، والاملاك العامة في البر والبحر …..
ويتباكى فريقا الصراع الداخلي على اهدار السيادة الوطنية، والحقيقة كل الحقيقة ان الفريقين يشكلان طبقة سياسية فرطت منذ الطائف وحتى اليوم بما فيه الكفاية بهذه السيادة، وتناوبا سواء بسواء على استدراج كل منوعات الوصايات الاجنبة.
اقرأ أيضاً: حين يصبح الكذب طقسا للتظاهر بالولاء
نحن اليوم امام معادلة سياسية واضحة، ومن دون اي التباس، حزب الله تحول الى حاكم فعلي للبنان، ومن خلاله صارت ايران هي القوة التي تتحكم في السياسة اللبنانية، والسنية السياسية هي جزء داخلي من السياسبة السعودية، والشيعية السياسية هي ذراع عسكرية وسياسية ايرانية، فيما تحول لبنان الى جبهة متقدمة في الصراع بين محوري الصراع الاقليمي.
ا – نقطة نظام واستهلال لا بديل منها: حزب الله كائن اقليمي بعديد لبناني:
كائن اقليمي، نشوءا، وولادة، ورعاية، وامدادا، وتدخلا اقليميا حاسما لاسناده في محطات مفصلية من مسيرته، بدءا من العام ١٩٨٢، والاجتياح الاسريلي للبنان، ونشوء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية قدمت ايران للشيعة في لبنان فرصة، بما رفدتهم من دعم ، وبما عملت عليه من ولادة حزب الله، كل ذلك في اطار استثمارها في شيعة لبنان دورا اقليميا مرتجى، واستثمر الشيعة في لبنان دور ايران لتحصيل قوة فاقت اي تجربة سابقة لأي طائفة لبنانية اخرى.
لا شك ان حزب الله اصبح يمتلك نفوذا سياسيا داخل لبنان يفوق حصته الشعبية والانتخابية، وهو نفوذ يتبدى في دوره المقرر داخل السلطة، ورغم ان لقدراته العسكرية وتحالفاته المحلية، دورا في تحصيل هذا الموقع، الا ان القسط الاساس يتأتى من تحالفاته الاقليمية، وهنا يمكننا القول من دون الوقوع في اي مبالغة، ان استناد الحزب الى ايران وسوريا كظهيرين قويين هو العامل الاساس في رسم المسار الذي سلكه الحزب، وفي صيرورته واقعا فاعلا ومؤثرا، ليس على صعيد المعادلة الداخلية فحسب، بل على صعيد المعادلة الاقليمية.
والى ذلك يمكن ان نضيف انه يستحيل قراءة صعود الحزب، في معزل عن اندراجه منذ نشوئه، من ضمن ما يمكن تسميته الوجهة التي اتخذها مسار تطور موقع المحور الايراني – السوري صعودا وهبوطا، وعلا قة هذا الموقع بتطور موازين القوى الاقليمية، ذلك ان قراءة صعود مشروع الحزب مفصولا عن تطور موقع المحور الاايراني – السوري مرفقا بدوره في العمل المقاوم تعجز عن تفسير عنصر التماسك السياسي الذي شكل رافعة لمشروع حزب الله، ولنجاحه في تهميش باقي اطر التمثيل السياسي في البيئة الشيعية، بما فيها قدرته على استتباع حركة امل، وفي تفسير اسباب حسم موضوع فرضه طرفا وحيدا يحتكر العمل المقاوم برمته، ثم في تفسير استوائه قوة اقليمية يعتد بها.
ذاك هو المدخل الواقعي الذي يصعب ان نقارب مسيرة حزب الله من دونه.
في قراءتنا لهذه المسيرة سنركز على العوامل البنيوية التي حكمتها والتي من دونها يصعب ادراك خلفيات اداء حزب الله وممارسته السياسية.
واذا كان لنا ان ندرك المعادلة الاقليمية التي يتحرك حزب الله في دائرتها وتحالفاته في اطار هذه المعادلة، والتي تضغط في اتجاه اخضاعه لقوانينها واعتباراتها، فلا بد من ان نطرح السؤال التالي: هل ينطلق جزب الله من برنامج سياسي يستحضر القضية الوطنية اللبنانية بما هي قضية مترابطة، لها تجلياتها على سائر الاصعدة الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية؟
لا يمكن تأسيس اي موقف واقعي حيال القضية الوطنية اللبنانية، ما لم يصدر هذا الموقف عن ادراك صحيح لمكونات هذه القضية، في سائر ابعادها، وفي ترابط هذه الابعاد وتشابكها.
القضية الوطنية اللبنانية ذات ابعاد ثلاثة مترابطة، اولها البعد الوطني والقومي (السيادة والاستقلال والانتماء القومي)، وثانيها البعد الديمقراطي (الاصلاحات السياسية والنظام السياسي الديمقراطي)، والبعد الثالث (العدالة الاجتماعية وتطوير الاستقلال الاقتصادي).
وتدل التطورات السياسية في امتداد عقود على مدى خطورة الانشقاق الحاصل بين هذه الابعاد في سياسات وبرامج القوى السياسية التي تختزل القضية الوطنية في احد ابعادها، وتغيب الابعاد الاخرى.
فبحجة الدفاع عن المسالة الوطنية والقومية، وان لاصوت يعلو فوق صوت المعركة مع الامبريالية والصهيونية، يتم تغييب الجانبين الديمقراطي والاجتماعي، مما يؤول الى تسويغ ودعم سياسات وانظمة الاستبداد، وهذا هو حال محور الممانعة، بكل مكوناته وملحقاته اليسارية، ومن ضمنهم الحزب الشيوعي اللبناني، وكل المجموعات اليسارية التي تماثله في هذا الجانب.

وباسم تحقيق الديمقراطية تتم ادارة الظهر للمسالة الوطنية والقومية، ويتم تغييب الجانب الوطني والقومي ثم الاجتماعي، فيصبح العدو الاسرائيلي جارا، واميركا صديقة، وتحضر السياسات التي تغيب واقع وجود مخطط امبريالي – صهيوني، لا بل يجري استدراج التدخل الخارجي بحجة تحقيق الديمقراطية، وهذا هو حال ما تبقى من قوى ١٤ اذار، ومن لا يزالون يلتزمون سياساتها، مع ملحقاتها اليسارية. ومن تبقى من هذه الملحقات.
في اطار هذه المضامين الواقعية للقضية الوطنية اللبنانية في سائر ابعادها المترابطة، وبالقياس اليها يمكن تحديد الموقف من نهج حزب الله وسياساته، ومن سائر القوى السياسية، بما فيها قوى اليسار.
فإلى أي مدى يعتمد حزب الله في سياساته مقتضيات هذه المضامين للقضية الوطنية اللبنانية؟
في الجواب عن هذا السؤال وفي قراءتنا للمسار الذي سلكه حزب الله سنركز على الجانب البنيوي وعلى المعطيات التكوينية التي رافقت مشروع حزب الله.
مع التوقف هنا مليا امام الدور الذي لعبته المقاومة الاسلامية في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، والانجاز الذي حققته في معركة التحرير خصوصا في فصلها الاخير، باجبار قوات الاحتلال الاسرائيلي على الانسحاب من الارض التي كانت لما تزل تحت الاحتلال.
ان تجرجر اسرائيل هزيمتها، بدءا من انسحابها من العاصمة، وصولا الى انسحابها الاخير بفعل المقاومة الوطنية اللبنانية باسمائها المتعددة، بلا قيد ولا شرط، ومن دون مفاوضات، فان ذلك كله شكل سابقة وواقعة فريدة في تاريخ الصراع العربي – الاسرائيلي.
ان الجانب المضيء والمشرق في مسيرة المقاومة الاسلامية من شجاعة وفاعلية، لا يجب ان يحجب اولا كل المستجدات التي طرأت على واقع دور المقاومة الاسلامية بعد التحرير، فضلا عن انه لا يحجب في الاساس، سمات ومعطيات تكوينية ثلاثة، رافقت مسرة حزب الله ومازالت حتى اليوم ترمي بثقلها على الوضع اللبناني برمته.
هذه المعطيات تتمثل اولا في بنية المقاومة الاسلامية، ورؤيتها لاعادة الوحدة اللبنانية على اسس طائفية، والتزامها “الديمقراطية التوافقية ” اي نظام المشاركة الطائفية، مما يعني تأبيد لبنان كفيدرالية طوائف.
وثاني هذه المعطيات، ان هذه المقاومة ذات وظيفة اقليمية، وتشكل جزءا من محور اقليمي ترتبط به ارتباطا عضويا.
وثالث هذه ألمعطيات يتمثل في ان هذه المقاومة، ذات مرجعية عليا مقيمة في ايران.
هذه المعطيات الثلاثة، والسياسات التي ترافقها وتتناسل منها، واثرها المباشر على القضية الوطنية اللبنانية، ومنذ سنوات طويلة، سوف تكون مادة حلقات ثلاث لاحقة.
للبحث صلة.

