«العلمانية المؤمنة» جسر عبور المسلمين نحو الحداثة

تتضمن كلمة العلمانية من الناحية الفلسفية أن الحقيقة موجودة في هذا العالم، وأن على الإنسان أن يكتشفها ويعرفها، وأن يقيم نظامه السياسي والاجتماعي على قاعدتها.

برأي العلامة المفكر الاسلامي السيد محمد حسن الأمين انه “عندما نبحث عن مفهوم العلمنة أو العلمانية، نلاحظ أن هذا المفهوم في أذهان الكثيرين، لا أقول من العلماء والمفكرين الكبار، ولكن في غالبية المعنيين بالعلوم والمفاهيم الإنسانية، لايعرفون بدقة حقيقة هذا المفهوم والبعض ينسبه إلى الاشتقاق من كلمة العلم فيقولون عِلمانية بكسر “العين” ولكنه في الحقيقة هو مشتق من كلمة العالم وليس العِلم”.

اقرأ أيضاً: السيد محمد حسن الأمين (2): عن أسئلة العولمة والهويات الضيّقة

ويؤصّل السيد الأمين لمفهوم العلمانية بقوله “إن هذا الاتجاه انبثق في دائرة الصراع بين الكنيسة ودعاة الخروج عن سلطتها برحلة تاريخية شهدتها النهضة الغربية الأوروبية والتي كانت محاطة بمظهر التسلط من قبل الكنيسة سواء من ناحية السلطة السياسية، أومن ناحية تفسير الظواهر الكونية والاجتماعية تفسيراً دينياً كنسياً. لذلك وباختصار كان الصراع عنيفاً بين الكنيسة وبين دعاة العلمنة التي تعني فصل الدين عن الدولة، ونحن إذ نبحث ونتأمّل في هذه الظاهرة لا بد أن نستعيد تاريخ التسلط الكنسي والذي كان يقوم على قاعدة أن الكنيسة تمثل إرادة الله على هذه الأرض وبالتالي فإنها هي مصدر التشريع، بل أكثر من ذلك، هي المصدر الوحيد لتفسير الظواهر الاجتماعية، بل حتى الكونية، ومعروف لدى الكثيرين تلك المحاكمات المتعسّفة التي أجرتها الكنيسة ضد علماء الفلك وغيرهم من علماء البحث العلمي واعدام عدد منهم، على النحو الذي أدى إلى تفاقم النقمة على المؤسسة الدينية، ودعوة الفلاسفة والمفكرين لاحقا إلى المطالبة بفصل الكنيسة عن العالم، وبالطابع، فصلها عن إدارة الاجتماع والسلطة والعمل على تمجيد العقل وتوسيع دائرة الحرية، وقد استطاعت هذه النهضة أن تفصل فعلاً بين الدين – الكنيسة، عن السلطة.”

ويستنتج بذلك السيد الأمين “أن العلمنة لا تعني شيئاً غير هذا المضمون الذي ذكرناه ولا علاقة لها بموضوعي الإيمان والإلحاد، مدعاة العلمنة ليسوا ملحدين بالضرورة، بل يمكن القول بأن أكثرية الدول التي اعتمدت العلمنة لم تفرض على شعوبها تبني عقيدة الإلحاد، وأن هذه الظاهرة أي ظاهرة الإلحاد، لم تأت من قبل العلمنة، وإنما أتت من ينابيع أيديولوجية أخرى كما حصل في الدول الشيوعية، فالإلحاد فيها يستند إلى النظرية الماركسية وإلى حزبها الشيوعي وليس إلى علمانيتها، ونجد أن دولة علمانية اخرى وهي فرنسا، تتبنى العلمانية ولا تشترط الإلحاد، وكذلك أميركا مثلاً، ومن الملاحظ تجاه هذين الكيانين السياسيين الكبيرين، أن الاتجاه الفرنسي يقوم على حماية الدولة من الدين، فيما الاتجاه الأميركي يقوم على حماية الدين من الدولة.”

الحداثة

ولكن السؤال يبقى: هل العلمانية ممكنة داخل الاجتماع الإسلامي بصورة عامة؟

الجواب على ذلك كما يقول السيّد الأمين “يقتضينا أن نقدّم رؤية قد لا تكون موضع اهتمام لدى المفكرين المسلمين، ولكنها من وجهة نظرنا يشكل البحث في هذه النظرية ضرورة ملحة جداً ويقتضينا مقدمه سريعة لرؤية الإسلام بوصفه الديانة التي نزلت لتحرير الكائن الإنساني ليس من السلطات البشرية المبتدعة والتي يتسلط فيها الأقوياء على الضعفاء فحسب، ولكن أيضاً ومن ضمن هذه المعادلة لتحرير الإنسان من السيطرة التي تمارس عليه بإسم الدين، ولذلك نرى أن أكثر ما عانته الدعوة الإسلامية كانت من قبل عدد من الفقهاء الذين مارسوا دور “الكهنة”، بشكل مشابه لمن وضعوا أنفسهم قابضين على السلطة الدينية بإسم المسيحية وبإسم اليهودية، فالدين الإسلامي في جوهره هو نفي لأي سلطة تحكم بإسم الحق الإلهي على الأرض، وهذه سمة هي أرقى ما يمكن تقديسه في الدين الإسلامي الذي ذهب إلى أبعد الحدود في تمكين الكائن الإنساني في أن يكون حرّاً، والآيات القرآنية الكريمة واضحة في هذا الشأن.”

ويسوق السيد الأمين أدلة تشدّد على حرية الانسان في الاسلام وتقدمها على ما عداها بقوله “ان الله سبحانه وتعالى قدّم أعلى مدى من الحرية للإنسان في قوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فاليكفر}. وقوله تعالى مخاطباً الرسول: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر}. أي أن الإسلام خاطب العقل وشفع خطابه بالبراهين والأدلة على صدق الوحي وضرورة الإيمان بالله سبحانه وتعالى ولكنه ترك للإنسان حرية الاختيار. غير أن الإسلام على مدى التاريخ شهد مراحل طويلة من العيش في ظل حكام وأنظمة تدعي الحكم بإسم الله على هذه الأرض وشرعيتها مستمدة من التكليف الإلهي المباشر. وهذا يعني انحرافاً عن جوهر الإسلام وقد أدى إلى تراجع فادح في تاريخ الاجتماع الإسلامي، وإذا انتقلنا من التاريخ إلى الحاضر نرى ثمة من يدعو إلى قيام دولة دينية، وهذا بالضرورة سيؤدي إلى ما أصاب المسلمين منذ بداية التاريخ الأموي، وصولاً إلى آخر خلفاء وسلاطين العثمانيين، فإن شرعية هذه الدول والسلطات لم تستند إلى ما أراده الإسلام وما أراده الوحي الإلهي الذي كان صريحاً بقوله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم}، وهذا يعني أن شرعية السلطة مستمدة بنظر الإسلام من الشورى وليس بالادعاء أن السلطان يحكم بإسم الحق الإلهي أو بإسم الشريعة الإسلامية. وهنا أصل للقول بأن العداء للعلمنة وخاصة العلمنة المؤمنة لا يمكن فهمه وتفسيره إلا بأنه جهل بمفهوم العلمنة، وهروب من مقتضياتها وجنوح نحو مبدأ أن مصدر السلطة هو القهر والغلبة”.

اقرأ أيضاً: الخلافة وأزمة الأيديولوجيات الاسلامية الصاعدة

ويخلص السيد الأمين انه “بعد كل التجارب وفشل السلطات الدينية، لا بد من التسليم بمبدأ الشورى الذي يقضي بالضرورة أن شرعية السلطة لا تكون إلاّ بانتخابها من قبل المجتمع بحيث يكون هذا الانتخاب بمثابة عقد سياسي واجتماعي، بين الناس وبين من يحكمونهم، وهذا في نظرنا هو الحلّ الوحيد للخروج من عصور الظلمات إلى عصر الأنوار،أما الخائفون من أن حرية الناس في انتخاب حكوماتها أن يؤدي ذلك إلى قوانين وتشريعات غير إسلامية، فإنه خوف مردود، لأن المجتمع الذي يختار سلطاته من المفترض أنه مجتمع إسلامي، وأن المسلمين بغالبيتهم لا يختارون من القوانين ما يناقض مبادئ الإسلام، وإذا اختار بعضهم ذلك فهو يشكل ضرراً، ولكن أقل بكثير من الضرر الناشئ عن جعل السلطة تأخذ شرعيتها من قاعدة القهر والغلبة بإسم الدين أو غيره كما هو حاصل بالنسبة للسلطات التي تحكم المسلمين بهذا العصر.

السابق
الرأي العام العالمي ينهض ويندد بمجازر حلب
التالي
الطقس ماطر… والخير لقدّام