هنا اتّفق واختلف العلوي السوري أدونيس والدرزي اللبناني جنبلاط

أدونيس وجنبلاط
أدونيس بالتأكيد هو أكثر المعارضين لـ"الثورة السورية" قدرة على استفزاز عقول داعميها، بأشكالها الثورية والمتطرّفة. شاعر حقيقيّ ومفكّر عربيّ إشكاليّ. ووليد جنبلاط هو أكثر داعمي الحراك السوري المعارض قدرة على إعمال العقل وصوغ "سلوغونات" وأفكار وترجمتها إلى مبادرات وتحرّكات لافتة. يوم الجمعة أطلّ أدونيس بمقابلة في جريدة "السفير". مقابلة طويلة من 4500 كلمة، نلخّصها هنا في 800 كلمة، وننشر ردّ جنبلاط عليها، مع تحليل لنقاط التلاقي والاختلاف بين شاعر من أصل علوي سوري، و"مثقّف" حقيقي من أصل درزيّ لبناني، يقول كتلة سياسية ووزارية مقرّرة في لبنان منذ 10 سنوات.
اعلان

هنا ملخّص مقابلة أدونيس:

· التحوّلات العربية خالية من أي مشروع يشكّل خطوة نحو التغيير. ليس تغيير السلطة، بل تغيير المجتمع، وتغيير الأفكار، وتغيير الثقافة.

· نحن لا نقرأ أيّ مفهوم للتقدّم في التاريخ الإسلامي كله. ولا توجد حرية، ولا معنى للحرية في هذه الرؤية. حرية الفرد في هذه الرؤية، هي حريته في أن يكون مسلما وأن يمارس الإسلام، وبالتحديد الإسلام الذي ساد.

· الإسلام لم ينشأ كتبشير غير عنفي، بل نشأ، منذ البداية عنفياً. فالسيدة خديجة على سبيل المثال كانت تاجرة، ونبينا بدأ حياته في التجارة، والخليفة الأول كان تاجراً، والخليفة الثاني كان تاجراً أيضاً، وكذلك الخليفة الثالث… ونشأ الدين كتجارة ومال، أي سلطة.

· لماذا انفجرت في العولمة هذه القوى الدينية ولم تنفجر القوى الأخرى المناوئة؟ لماذا احتضنت العولمة هذه القوى الدينية ولم تحتضن القوى الأخرى الحية في المجتمع والتي تمتلك مشروعا للمستقبل؟

· ثمة شيء آخر وهو أن الشعوب، مع الأسف، ليست هي التي انطلقت بنفسها وثارت، بل ثارت قوى أخرى.

· في سوريا مثلا، ثلث الشعب هاجر. لا يوجد شعب في العالم يهاجر ونستمر في تسميته بأنه شعب ثوري. الجماهير المدنية التي شاركت في الثورة أصبحت خارج الفعل. اليوم من يقاتل في سوريا؟ معظم المقاتلين جاء من الخارج. مَن يقاتل في الأرياف ليس الشعب. فقد حصل تحوّل هائل حتى ما عاد بإمكاننا تسميتها لا ثورة ولا انتفاضة. هناك حرب حقيقية الآن تجري في سوريا ذات طابع أهلي وطائفي.

· القوى الأجنبيّة تريد تدمير سوريا. كما حصل مع تدمير النظام العراقي، أو النظام الليبي، وكما يحصل في سوريا الآن. كيف تقود القوى الرجعية والقوى الأجنبية الثورة؟

· لا توجد حلول جاهزة إلا في الدين والإيديولوجيات. ونحن جرّبنا الدين فقتلنا، وجرّبنا الإيديولوجيات فقتلتنا.

· طوال أربعة عشر قرناً لم يستطع العرب تحقيق المواطنة. بينما حقق الرومان ذلك في جميع أنحاء الامبراطورية، ومنحوا الجنسيّة الرومانيّة لجميع الرعايا. العرب لم يستطيعوا أن يفكّكوا بنية القبيلة ولا بنية العشيرة، ولا البنية المذهبية. لم نقم بأي شيء جذري.

· بدلاً من الدعوات القومية الواحدية العربية على طريقة القرن التاسع عشر والقرن العشرين، يجب العمل على أساس مدني علماني.

· ماذا فعل الليبراليون؟ وماذا فعل عبد الناصر؟ إذا أردنا أن نقارن ثورة عبد الناصر بثورة ماو في الصين. فالزمن هو نفسه، أي سنة 1958. لنتأمل منجزات ماو، ونقارن كيف أنّ عبد الناصر لم يستطع تأسيس جامعة واحدة ذات مستوى عالمي.

· من دون تحويل قراءة الدين إلى قراءة جديدة، بحيث لا أحد يحارب أحداً، وتصبح جميع الأديان عبارة عن إيمان شخصي فردي حرّ، ويكون دين المجتمع هو الإنسان وحريته وحقوقه، فإن من دون ذلك لا يمكن إنجاز أي تقدّم.

أدونيس

· أوّل شروط الديموقراطية هي الاعتراف بالآخر، وأن تعترف بالآخر ليس على سبيل التسامح، بل على سبيل المساواة. وهذا مستحيل أن يتحقّق ما دام الدين هو مرجع القيم.

· لا يمكن أن تتحدّث عن الحرية في حين أن أي مواطن لا يستطيع مهما علا شأنه وثقافته، ولو كان عبقري زمانه، أن يتسلم منصباً إلا على أساس طائفي كما يحدث في لبنان مثلاً.

· نحن العرب، على مدى قرن، لم نقم بأيّ شيء سوى تغيير السلطة وتغيير الأنظمة. مئة مرّة غيّرنا الأنظمة، ولكن ماذا غيّرنا مع الأنظمة؟ لم نغيّر شيئا، لا التربية ولا المدرسة…

· لا يمكن هذه القوى الحيّة الجديدة اليوم أن تشتغل إلا على أساس مدني علماني. وإلا لا معنى لعملها كله. علينا تأسيس جبهة مدنية على امتداد العالم العربي.

· رغم ثرواتنا الطائلة الهائلة لم نتمكّن من إنشاء جامعة واحدة ذات قيمة في العالم. لم نتمكّن من إنشاء مركز للأبحاث في أيّ ميدان. لم نتمكّن من إنشاء متحف حديث له قيمة.

· من دون علمنة المجتمع ومدنيته لا نستطيع أن نقوم بأيّ شيء.

· الدين لا يتم إصلاحه. الدين إما أن تؤمن به أو لا تؤمن.

· أعطني مثقفاً عربياً واحداً، من المحيط إلى الخليج، طرح سؤالاً أساسياً واحداً على الإسلام. أعطني كتاباً طرح سؤالاً عن قيمة الوحي معرفياً اليوم. كيف ستنتج معرفة في نظام ثقافي يهيمن عليه الوحي.

· مَن ساءل الوحي؟ مَن طرح سؤالا عن كينونة المرأة في الإسلام ككائن حر مستقل سيّد نفسه وسيّد مصيره؟ ليس هناك مفكّر عربي واحد طرح مثل هذه الأسئلة على الإسلام.

· الماركسيون وضعوا الدين بين هلالين واعتبروه توفي. أقصى ما وصل إليه المفكّرون العرب أنهم اعتبروا أن من الضروري قراءة النص الديني بصفته نصاً تاريخياً. بمعنى أنّ النص القرآني نشأ في ظروف معينة، هذه الظروف تغيّرت، لذلك يجب النظر إليه كنص تاريخي. ولكن لا يكفي أن نقول إنه يجب النظر إلى النص الديني كنص تاريخي. يجب أن نسأل ما هذا النص؟

· في ثقافتنا العربية، وهي ثقافة وظيفية، والمثقف موظف، فلا تتم قراءة النص كنص، بل يُقرَأ كاتبه. مَن هو؟ ما هي انتماءاته؟ في أي حزب هو؟ أما النص فلا يُقرَأ. والمثقف العربي إجمالا تابع أو موظف ليست لديه حرية كاملة.

· هل ستموت اللغة العربية؟ لا أحد يعلم. إذا كانت اللغة اليونانية التي كتب بها أرسطو وأفلاطون ماتت، علاوة على لغات أخرى ماتت… فلا يوجد أي مانع يحول دون موت اللغة العربية.

· أستغرب يا عرب كيف أنّ بلداً مثل تركيا، حيث ظل العثمانيون على مدى أربعمئة سنة يدمّرون العرب لغة وثقافة وتاريخاً وها هم قادة العرب يتوسلونهم. لا يوجد أسوأ من تاريخ كهذا، أي أن تكون تركيا قائداً من قادة الثورة العربية.

· نجد، في الرواية مثلا، نساء جريئات يتحدّثن عن علاقة جنسيّة كاملة. لكن العلاقة الجنسية جزء بسيط من ثقافة متكاملة. أي لا تستطيع، عبر هذا الأمر الذي تتحدّث عنه، أن تزلزل قيماً، وأن تزلزل مجتمعاً وثقافة اجتماعيّة أو تاريخيّة…

لكن بماذا أجاب النائب وليد جنبلاط؟ 

وليد جنبلاط

· الشاعر والمثقف الكبير، والطامح لجائزة نوبل، أدونيس، يحور ويدور في جدليته الفكرية ليجد كل الأعذار لإدانة التوجه الأساسي للشعب السوري في الحرية والكرامة.

· الشاعر ينسى أو يتناسى أن الشعب السوري، وعلى مدى ستة أشهر، إنتفض سلمياً في كل سوريا وكان جواب النظام إطلاق النار والاعتقال والتعذيب دون تمييز. ولاحقاً تحولت الثورة من سلمية إلى مسلحة. كيف لا وقد إستفحل النظام في الإجرام.

· لا يرى الشاعر الكبير، بين هلالين، البراميل التي تقتل يومياً الأبرياء وربما مخيلته الكبيرة قد تجره لتبرير أفعال النظام نتيجة وجود داعش.

· من يدري فإن أدونيس من كبار الفلاسفة مثل نيتشه وهايدغر اللذين إستوحى منهما هتلر وخرج لاحقاً في نظريته الفاشية المجرمة.‏ والدخول في النقاش الفلسفي معه مضيعة للوقت. يبدو أنه لم يسمع بما حدث لعلي فرزات أو إبراهيم القاووش أو حمزة الخطيب.

· هو وأمثاله ممن يُسمى بالمثقفين، فوق البشر، لكنهم يتسترون بقشرة موز واهية، عقدتهم السلطة. لا يمكن للمرء إلا أن يتقيأ قرفاً أمام تنظيراتهم الخاوية.

· للذين سينتقدوني أقول لم أدع في أية لحظة بأنني كنت ملاكاً في حياتي السياسية وقمت مرات ومرات بعملية مراجعة ونقد ذاتي، وأعلم أن هذا لا يبرر ما قمت به ولا يعفيني من المسؤولية لذلك أترك للمؤرخين وللتاريخ أن يحكم. وفي هذا السياق، لن أكتب مذكراتي، أترك الأمر للغير.

· طبعاً لم أتقدم بالترشيح لجائزة نوبل للسلام التي يموت حسرة شاعرنا الكبير أدونيس لنيلها.

· سأختم على طريقتي وأقول: كم كنت كبيراً وستبقى يا محمود درويش.
أين اختلفا وأين اتّفقا؟

في المحصّلة لم يختلف جنبلاط مع أدونيس حول أنّ الثورة السورية اليوم حرب طائفية، بل ذكّر جنبلاط أدونيس فقط بأنّها كانت “على مدى ستة أشهر، سلمية في كل سوريا وكان جواب النظام إطلاق النار والاعتقال والتعذيب دون تمييز. ولاحقاً تحولت الثورة من سلمية إلى مسلحة”.
وأدونيس لم يختلف مع إشارة جنبلاط إلى “البراميل التي تقتل يومياً الأبرياء”. فأدونيس قال بالحرف: “لا توجد حلول جاهزة إلا في الدين والإيديولوجيات. ونحن جرّبنا الدين فقتلنا، وجرّبنا الإيديولوجيات فقتلتنا”.
في العمق يتّفق الإثنان على عدم الإيمان بالدين. جنبلاط الدرزي متزوّج من غير يجاري أدونيس، فيدفع الثمن مئات آلاف الدروز. ويتّفق الإثنان على أنّ الأنظمة لا تقلّ سوءًا عن الحركات الأصولية في سوريا وغيرها، والعكس صحيح. ويتّفقان على أكثر مما يختلفان.
لكنّ جنبلاط كان قاسياً في سخريته من ترشيح أدونيس إلى جائزة نوبل منذ سنوات، وكان قاسياً حين تحدّث عن “التقيّؤ قرفاً أمام تنظيرات بعض المثقفين الخاوية”. هذا طبع جنبلاط وهذه طريقته، لكنّهم بالتأكيد أعطيا إشارة إلى نقاش ضروريّ، صادر عن عقليين “أقلّويين”، علوي سوري ودرزي لبنان. وهو نقاش يجب أن يكون على مستوى أعلى وأكبر.

السابق
ريفي: المدينة على وفاق تام مع الدولة والجيش
التالي
شهر رمضان…لا شيء غير الجوع والعطش