التكتيك العسكري لـ«داعش»

منذ ظهور تنظيم “القاعدة” في منتصف تسعينات القرن الماضي كان مؤلفا من خلايا سرية ونائمة في عدد كبير من البدان الاسلامية والاوروبية وفي الولايات المتحدة. وباستثناء “طالبان” التي اقامت نظام حكم بإيديولوجيا “القاعدة” وبدعم باكستاني، لم تشكل “القاعدة” جيشا ظاهرا ولا مواقع عسكرية.

عندما ظهرت “القاعدة” في العراق بقيادة ابي مصعب الزرقاوي عام 2004، احتلت قرى واحياء في بعض مدن وبلدات الأنبار حيث كان يسود استياء من السلطة العراقية الحاكمة ومن الاميركيين ايضا، الامر الذي مكن تنظيم “القاعدة” ولاول مرة منذ ظهوره، من العمل علنا داخل مدن وقرى. لكن التنظيم كان دائما ينفذ هجمات محدودة أوعمليات انتحارية بسيارات مفخخة أوأحزمة ناسفة.
في سوريا تغير الامر، اصبحت دولة الاسلام في العراق والشام (داعش) مستقلة عن “القاعدة” نظرا للخلاف الكبير بين ابي بكر البغدادي وايمن الظواهري الذي تكرس نهائيا بعد الحرب الضروس مع فرع “القاعدة” في سوريا (جبهة النصرة) واعلان الخلافة الاسلامية. اصبح لـ”داعش” جيش ظاهر يتألف من عشرات الالوف، وله نظام تعبئة دولي يستقدم المقاتلين من مختلف انحاء شمال افريقيا والخليج وجنوب روسيا وآسيا الوسطى واوروبا الى سوريا والعراق عبر تركيا. وعلى الارجح انه النظام نفسه الذي يعتمده تنظيم “القاعدة”. كما ان “داعش” اتخذت مواقع ظاهرة وسيطرت على مدن وقرى وبات لها قاعدة لوجستية تشكل تركيا الاساس فيها نظرا الى الاتصال الجغرافي المباشرمع تركيا. اسقطت “داعش” عقيدتها السلفية الجهادية على جيشها واعتمدت تكتيكا خاصا بها في كل العمليات الحربية بوحي من تلك العقيدة.
في الايديولوجيا عقيدة “داعش” هي نفسها عقيدة تنظيم “القاعدة” التي تعتنقها “جبهة النصرة” و”الجبهة الاسلامية” ومعظم التنظيمات الاسلامية المتشددة العاملة في سوريا. اما الخلاف بينها وبين باقي التنظيمات فهو صراع على السلطة والنفوذ ولا تدخل العقيدة فيه. لكن “داعش” اكتسبت شهرة ورهبة بسبب قسوة سلوكها الحربي في القتل وتصويرأعمال قطع رؤوس الأسرى واعدامهم وتعميم المشاهد على شبكة الانترنت. هذا الاسلوب اعتمدته “جبهة النصرة” وباقي التنظيمات المشابهة بنسبة اقل أوباعلام اقل. مع ذلك انشدّت الانظار نحو “داعش” باعتبارها اخطر المنظمات الارهابية وساهم في ذلك الرئيس اوباما الذي تحدث مرارا عنها وشد انتباه العالم لها في تصريحات كثيرة وجاء في احدها: “إن داعش تمثل تهديدا لشعبي العراق وسوريا والشرق الأوسط عموما بمن فيهم مواطنون وموظفون أميركيون ومنشآت أميركية. ويمكن أن يشكلوا تهديدا أكبر يتخطى تلك المنطقة، فقد هدّد قادة داعش أميركا وحلفاءنا”.
توصلت “داعش” الى احتلال اراض واسعة في الرقة وعلى حوض الفرات وفي بادية الشام والانبار وسهل نينوى باعتمادها تكتيكا مميزا في ما يلي اهم عناصره:
– اعتماد المفاجأة في اختيار الاهداف والهجوم عليها كما حصل في الرقة والموصل.
– السرعة في التحرك نحو الاهداف المحددة وهذا يعني مهاجمة الاهداف في المناطق المنبسطة وتفادي المعارك في المناطق الجبلية او الوعرة التي تتطلب وقتا وجهدا لعبور موانعها الطبيعية.
– العمليات الخاطفة باستخدام قوات كبيرة العدد ضد اهداف محدودة الامكانات وخصوصا القرى والبلدات الصغيرة. فقد استغرق احتلال 185 قرية في ريف عين العرب مدة اسبوع.
– الاعتماد على العمليات الانتحارية في شاحنات وسيارات مفخخة تفجر في المداخل والتحصينات كما حصل في مقر قيادة الفرقة 17 في الرقة وفي مطار الطبقة وفي حربها مع النصرة. وبعد التفجيرتتقدم قوات “داعش” مباشرة وتحت تأثير الهول والمفاجأة اللذين يصيبان الوحدات المدافعة لتحتل الهدف.
– الاعتماد على طابور خامس في المدن الكبرى، يثيرالفوضى ويمهد لهجوم قواتها ودخولها الى المدينة وهذا ما حصل عندما مهد النازحون في الرقة لهجوم “داعش” وشاركوا في احتلالها خلال ساعات معدودة. وفي الموصل ايضا عندما رتبت “داعش” امر انهيار الجيش والشرطة وفرارعناصرهما قبل دخولها السريع الى المدينة. يشير هذا المبدأ الى وجود اتصالات لـ”داعش” مع قوى اقليمية ومحلية في العراق وسوريا استغلتها لتحقيق هذا التوسع الكبير.
– اعتماد اسلوب الصدمة والرعب وذلك بالهجوم الخاطف وارتكاب المجازر وتصويرها وتعميمها على مواقع التواصل الاجتماعي وتشجيع بثها في شاشات الفضائيات، وخصوصا قطع الرؤوس والاعدامات الجماعية والذبح التي تثير الرعب وتجعل من اسم “داعش” وحده رعبا حقيقيا يدفع القرى والمدن المعرضة لخطرها الى الفرار السريع. وفي هذا المجال ارعبت “داعش” عشائر دير الزور عندما ارتكبت مجزرة عشيرة الشعيطات وارعبت ايضا عشائر العراق عندما ارتكبت مجزرة عشيرة ابو نمر.
– الهجوم بدلا من الدفاع. تلجأ “داعش” دائما للهجوم ولا تتورط في اعمال دفاعية. وعندما تتعرض لهجوم كما حصل في السفيرة قرب حلب وجرف الصخر جنوب بغداد تسارع الى الانسحاب والفرار بدلا من الانغماس في قتال دفاعي.
– اعتماد مراكز قيادة وسيطرة متطورة تستطيع من خلالها ادارة العمليات الحربية بسهولة وليونة ترتكز على نظام اتصالات متقدم يصعب التشويش عليه. وقد اثبت جهاز القيادة والسيطرة لـ”داعش” فاعليته في مسرح عمليات يمتد من عين العرب غربا الى اربيل وخانقين شرقا ومن سهل نينوى شمالا الى جرف الصخر جنوب بغداد جنوبا. كانت “داعش” تقاتل على جبهات متعددة في وقت واحد وتناور بالقوات بكفاءة عالية.
تكمن في هذا التكتيك نقطة ضعف تصيب منها مقتلا اذا اعتمدها اعداء “داعش”، وهي انها بحكم عقيدتها لا تستطيع القيام بحرب استنزاف او حرب تقليدية، بل تلجأ الى الهجوم من اجل تحقيق هدفها. ورغم تدخل طيران التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة – الذي لم يتعرض لجهاز الاتصالات والقيادة والسيطرة بعد – بقصف مواقع “داعش”، فانها لم تتورط في حرب استنزاف في عين العرب كوباني ولا تزال تشن هجوما تلو آخر وتتلقى ضربات الطيران من دون ان تتخلى عن عقيدتها الهجومية. وما فاجأ “داعش” في عين العرب هو ارادة القتال عند وحدات حماية الشعب الكردي في هذه المدينة. وهي نفسها الارادة التي كانت مفقودة في ريفها. لم تُختبر “داعش” في صد هجوم جدي وحقيقي من أية قوة، فهي انسحبت من حقل الشاعر شرق حمص بسرعة ولمرتين لانها شعرت بجدية المهاجمين وتصميمهم. بينما لم تلمس خطورة في الهجمات المتكررة على تكريت والفلوجة. وعوضا عن القتال الدفاعي لجأت الى الهجوم على الرمادي كافضل وسيلة للدفاع.
نتج صعود “داعش” السريع عن اعتمادها الهجوم والسرعة والمفاجأة والصدمة والرعب من دون ان تلاقي مقاومة حقيقية من اعدائها. اما وقد بدأ أعداؤها يقاتلون بارادة صلبة في كوباني وأمرلي وجرف الصخر فذلك يشير الى مرحلة تراجع “داعش”. فالصعود السريع يليه حتما هبوط سريع.

آخر تحديث: 25 نوفمبر، 2014 9:55 ص

مقالات تهمك >>