سيّد الحب وداعا: تحية للراحل الكبير السيد هاني فحص

غداً يا سيدي سنرفع رايات يتمنا، سنستعير سوادنا من كحل عمامتك السوداء، وسنخاطب قلبك الأبديّ الخفقان، بعتب المحبيّن المريدين سنسأل هذا القلب: لماذا تركتنا ونحن أحوج ما نكون إليك؟ لماذا تركتنا ونحن تتناهشنا العصبيات، ويقتلنا الفكر الكاذب والدين الكاذب?

وغداً ستبكي الشمس حين يغيب وجهك في الثرى، فلا تشاركها قهوة الإشراق، ولا القراءة اليومية للجريدة، ولا تطلّان معاً على حقول زيتون الفقراء، ومناجل الحصادين، وتبغ الجنوبيّين. غداً كلّ أوراقنا الموشاة بحبرك ستبكيك، كلّ الأجراس ستقرع، وكلّ المآذن ستتلو تراتيل الوداع.
فلسطين التي أحببتَ ستلبس شالها الأسود ستمشي خلف نعشك ومعها كلُ سنوات النضال والعطاء… ستبكيك عيون القدس وأشجار يافا، وموانئ حيفا ستخنقها الغصة، وبيت لحم سيخبر المجدلية بأنّ مخلصنا السيد اختار القيامة من بين الأموات!
غداً يا سيد الكلام سيصمت الكلام ليبوح الصمت، ليحكي لمن عرفوك ولمن لم يعرفوك، ولمن أرادوا أن لا يعرفوك، أنّك سنديان هذي الأرض، وأنك عائد اليوم إلى تراب جبلتَ منه، وجبل بعرقك، وحبّك، وشعرك، وأدبك، وجمال الجمال في لغتك، في حربك، وسلمك، في عمق إدراكك للتاريخ، ووعيك بالحاضر، واستشرافك للآتي.
غداً يا سيدي سنرفع رايات يتمنا، سنستعير سوادنا من كحل عمامتك السوداء، وسنخاطب قلبك الأبديّ الخفقان، بعتب المحبيّن المريدين سنسأل هذا القلب: لماذا تركتنا ونحن أحوج ما نكون إليك؟ لماذا تركتنا ونحن تتناهشنا العصبيات، ويقتلنا الفكر الكاذب والدين الكاذب؟ لماذا تركتنا؟ وهل أتعبناك حداً آثرت معه الفراق؟ فتركتنا في لجّة التيه نصارع الأمواج ونخشى الغرق في مستنقع اللاهوية والضياع؟
لماذا أغمضت عينيك عنّا وقد تعودنا أن نستقبل الصبح دوماً في عينيك ونعبّ من بريق النظرة كؤوس حبّ وأبوة وحنان؟ لماذا تركتنا يا ربان سفينتنا ورياح الفرقة تعصف بأشرعتنا، وتحكمنا الغوغاء؟
يا سيدنا الراحل على صهوة الفكر، وجميل الأثر، وغنى الإرث، ومجد الذكرى، هنيئاً لنا أن عشنا في زمانك، وأنا لهجنا على يديك حروف الحوار، وتعلمّنا منك كيف نقبل الآخر ونعترف به، وكيف نؤنسن الخصم ونحترم الشراكة، وكيف نمتّن جسور اللقاء، ونؤمن بالعقل قبلة للحقيقة، وبالقلب واحة للحب تسع الجميع دون شروط.

أيها الراحل الكبير، ستبقى في عقول مريديك فكرا، وفي قلوب محبيك أباً ومعلما وفي سجلات الخلود علماً جادت به الأيام…

آخر تحديث: 10 أكتوبر، 2017 3:06 م

مقالات تهمك >>