لا يجهل صغيرنا قبل كبيرنا أي دماء قدمت لتعبد طريق حريتنا في الجنوب اللبناني ، بل مازالت شواهد قبور الشهداء شاهد على التاريخ تروي لنا متى وكيف .
أما سجن الخيام حيث اعتقل فيه ابناء المسيح ع كما أبناء محمد ص جنبا إلى جنب ، وعذبوا وانتهكت حرماتهم فمازال بعض ما تبقى من جدرانه يروي لنا الحكايات والقصص عن ذلك الزمن الغابر.
فالدم والأسر تعانقا والجلاد واحد هو الصهاينة ، أما حكاية المسيحيين في فلسطين فلا تسع سطورنا القليلة لسردها ، بل يكفي أن تشهد جدران القدس معاناتهم ، وتشهد كنيسة القيامة وأجراسها قرع عصى الصهاينة على ماضيها وحاضرها ، والسؤال لماذا يصر الصهاينة على إفراغ القدس من المسيحيين كما أفرغوها من مسلميها ؟ وهل التهجير الذي تثبته صكوك الأراضي المبيوعة تحت عناوين مختلفة لا يكفي كدليل على التواطؤ ضد مسيحيي القدس؟
لا أظن شخصية كغبطة البطريرك بشارة الراعي تغيب عنه حساسية موقعه ودلالات زياراته وخطواته السياسية قبل أي شيء، ولا أعتقد أنه غير مطلع على تاريخ لبنان وعلى خارطة أعدائه الحقيقيين ، ولا أظنه لا يتابع الأخبار يوميا التي تروي لنا الانتهاكات المستمرة بحق أرضنا وشعبنا وآخرها نهر الوزاني ، بل أثق أنه على اطلاع كامل بتفاصيل الحدث السياسي وانعكاسات الحراك الكنسي في لبنان ليس فقط على مسيحيي الداخل ، بل على مسيحيي الشرق الذين يُراد لهم تفريغ المنطقة منهم وتفريغهم من هويتهم المشرقية التي ثبت تاريخيا حسن انتمائهم لها ، بل غلبة كفة أوطانهم وانتمائهم لها على أي كفة عمالة أو تواطؤ ضدها.
زيارة الكاردينال الراعي المقررة إلى القدس ليست ذات طابع ديني ولن تكون كذلك شئنا أم أبينا ، بل بعدها السياسي صارخ وسيصرخ بانعكاساته السلبية في وجه كل التضحيات المسيحية من دماء وتهجير ، وسيقرع ناقوس الخطر في التاريخ المسيحي ليكون مسمارهم الأخير في نعش تهجيرهم من المنطقة ، في ظل هيمنة الفكر التكفيري وانفلات زمام ضبطه من يد صانعيه، ليعرض المسيحيين لمزيد من التهجير والقتل سواء في فلسطين أو سوريا أو لبنان ، لأن الزيارة ستفتح شهية فتاوى القتل والتكفير على الهوية وتقدم ذريعة لتهمة الخيانه لكل مسيحيي المنطقة كون الزائر ليس شخصا عاديا بل هو مرجعية دينية ذات ثقل مناطقي في المحيط.
اليوم المسيحيين أمام اختبار جديد يمس وجودهم وانتماءهم وتاريخهم وحاضرهم وهم المعنيون الحقيقيون في اثار وانعكاسات هذه الزيارة إن تمت ، وهم من لهم الحق في السؤال :غبطة البطريريك إلى أين ؟

