كتبت “اللواء ” تقول: فوتت طرابلس الفرصة على اللاعبين على وتر احداث صدامات بين وحدات الجيش اللبناني المولجة بحفظ الامن والعناصر المسلحة المنتشرة في باب التبانة، ومر يوم الجمعة من دون اعتصامات او خطابات او تحريضات، وبهدوء اعاد الروح الى الخطة الامنية في المدينة، على ان تؤسس الايام المقبلة لتكريس تهدئة طويلة، افساح المجال بالكامل امام القوى العسكرية والامنية في منع الاحتكام الى السلاح، وتنفيذ الاستنابات القضائية القاضية بتوقيف المتورطين والمسؤولين عن التفجير الارهابي الذي استهدف مسجدي “التقوى” و”السلام” في مدينة طرابلس في آب الماضي، بالاضافة الى المتسببين بالاحداث بين جبل محسن وباب التبانة، والتي اصطلح بتسميتها “بالجولات العنفية” المتكررة.
ووصف مصدر طرابلسي لـ”اللواء” بأن نجاح الاتصالات التي جرت الليلة ما قبل الماضية، ساهم في تخفيف الاحتقان، الامر الذي من شأنه ان يؤسس لمرحلة جديدة تبعد شبح الاشتباك، سواء بين الجيش والمسلحين، او بين مسلحي باب التبانة وجبل محسن.
وأكد عضو كتلة “المستقبل” النيابية ونائب طرابلس سمير الجسر ان طرابلس تمكنت من الافلات من حبائل “الغرفة السوداء” التي تعمل للايقاع بين الجيش والناس، مشيراً الى ان ما حصل عندما ظن المواطنون في باب التبانة ان مطاردة الجيش لاحد الافراد يستهدفهم، ليس من الضروري ان يتكرر، مشدداً على اهمية اعادة بناء الثقة بين المؤسسة العسكرية التي تحظى بتأييد ابناء طرابلس، والمواطنين الذين ينشدون الامن والاستقرار وليس شيئاً آخر، وهذا يمكن ان يتم خلال الحزم العادل والمتوازن.
وقال الجسر لـ”اللواء” ان العنف لا يحل المشكلة، ومن شأن صدور مذكرات توقيف ولو كانت غيابية، بحق المتورطين بتفجير المسجدين “السلام” و”التقوى” ان يشي بأن هناك عملاً جدياً على هذا الصعيد.
ونبه من الماكينات الاعلامية التي تبث الشائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، داعياً الاجهزة الامنية ومخابرات الجيش الى ملاحقة هؤلاء، وخصوصاً وانهم كادوا ان يوقعوا المدينة بفتنة كبيرة، مؤكداً ان سياسيي المدينة لم يكونوا غائبين عما جرى امس الاول وعن الاتصالات التي جرت لتطويقه، وانه شخصياً كانت له اتصالات مع الناس في التبانة ومع الجيش، وايضاً مع رجال الدين الذين كانوا مجتمعين في منزل الشيخ سالم الرافعي والذي صدر عنه بيان ساهم في التهدئة، وصولاً الى اقناع الشيخ داعية الاسلام الشهال الى الغاء الاعتصام الذي كان مقرراً اقامته في الجامع المنصوري الكبير في طرابلس.
وفي تقدير مصادر سياسية مراقبة في طرابلس ان الاستقرار في المدينة، سيكون النتيجة الاولية لقرار سياسي صلب مصحوب باداء امني حازم على الارض، وان يترافق كلا الامرين بقدرة القائمين على القرار بالزام الجميع بمعايير الامن والقانون.
وفي هذا المجال تشير المواقف الشعبية الى ان القائمين على الامن الطرابلسي غير قادرين على توفير معايير العدالة والتوازن، وسط اتهامات من العامة من الاهالي، ولا سيما في مناطق التوتر بأن الجيش قادر مثلاً على توقيف وملاحقة مسلحين من التبانة والقبة، لكن يعجز عن توقيف أي مسلح في جبل محسن، ومن هنا كانت إشارة الأهالي إلى أن الأمن في التبانة ومن ثم في طرابلس كلاً، غير ممكن لافتقاده إلى منظومة العدالة القادرة وحدها على توفير الأمن والاستقرار الدائمين.
يضاف إلى ذلك، بحسب هذه المصادر، أن حسم استحقاق الأمن في طرابلس مؤشر إلى استقرار البلد ككل، وبالعكس، وهذا الأمر لا يبدو متوفراً في ظل الصراع الدائر في سوريا، والذي يبدو أن طرابلس باتت ساحة خلفية له.
ومهما كان من أمر، فان الجيش لن يدخل في مواجهة دامية في طرابلس، بحسب ما نقل عن مصدر عسكري الذي أشار إلى أن الجيش ماض في تفكيك مناطق الاشتباكات من دون مداهمات أو اقتحامات، مثلما حصل في التبانة، مؤكداً أن الجيش قام بتوقيف 21 مطلوباً منهم 11 في جبل محسن و10 من التبانة والمحاور الأخرى.
ومر يوم الجمعة، أمس، على خير في طرابلس، من دون أي خرق أمني يذكر، لكن المخاوف لم تتبدد من عودة التوتر مع استمرار التعقيدات في الملفات العالقة، وأبرزها ملف تفجير المسجدين، في حين اتخذ الجيش تدابير أمنية احترازية واستقدم تعزيزات إضافية من اللواء الحادي عشر، وعزز نقاطه بالعتاد والعديد، وسيّر دوريات مؤللة وراجلة في الأماكن الساخنة، كما في شوارع المدينة الرئيسية، في اطار الخطة الأمنية غير المعلن تفاصيلها حتى الساعة، والتي حققت تقدماً على صعيد وقف الاقتتال بين جبل محسن والتبانة.
ميقاتي
في غضون ذلك، أكّد رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، في خلال رعايته حفل افتتاح معرض بيروت العربي والدولي للكتاب بأنه “لن يتخلّى عن مسؤولياته التي فرضتها عليه ظروف البلد السياسية وظروف المنطقة”، وانه “لن يدخر جهداً لترميم الهوة بين مختلف الاطراف”، لافتاً الى ان “النزاعات العبثية لا تنتج منتصراً ومهزوماً، بل تفضي إلى اوطان مهزومة برمتها”. وشدّد على أن “لبنان بتعدده وديمقراطيته وتنوع أبنائه لا يُهزم، ولن نسمح لأي كان، بقدر إمكاناتنا، أن يطيح بإنجازات المجتمع اللبناني بعد الحرب التي عصفت بين ابنائه”.
ولفت انتباه المراقبين من خطابه، ترحيب ميقاتي “بالحضور العربي في معرض الكتاب، وعلى رأسه حضور المملكة العربية السعودية التي عودتنا بسط يد الأخوة والخير والسلام”. واعتبرت المصادر أن هذه الإشارة جاءت رداً على اتهامات الامين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله للسعودية بالوقوف وراء تفجير السفارة الإيرانية، وإن كان ميقاتي تجنب الإشارة الى هذه الاتهامات أو ردود الفعل عليها، ولم يذهب في رده إلى الحد الذي ذهب اليه رئيس الجمهورية ميشال سليمان، والذي يبدو انه كان من نتيجة ذلك هدفاً على مواقع التواصل الاجتماعي “الفايسبوك” التابعة لـ8 آذار، حيث ظهرت له صور تمثله تارة بالعباءة السعودية المعروفة، وتارة بلباس الجيش السوري الحر، مع تعليق بأنه “راعي الأصولية في الجمهورية اللبنانية”، مع صورة ثالثة بزي أسامة بن لادن، مع تعليق يقول بأنه “فخامة رئيس جمهورية الربيع العربي ميشال بن سليمان آل داعش”.
أما إشارة ميقاتي إلى “ترميم الهوّة بين مختلف الأطراف”، فقد عزتها المصادر إلى عزمه على إعادة تفعيل جلسات مجلس الوزراء، في ظل الشلل الحاصل في عملية تأليف الحكومة الجديدة.
وفي هذا السياق، أوضحت مصادر قصر بعبدا لـ “اللواء” أن موضوع انعقاد جلسات مجلس الوزراء لا يزال مجرد فكرة طرحها الرئيس ميقاتي في الإعلام، وربما أيضاً مع زواره، إنما أي مناقشة جدية بشأنها مع الرئيس سليمان لم تتم بعد، مؤكدة أنه في حال طُرحت على الرئيس سليمان فسيبدي رأيه فيها انطلاقاً من الحاجة إلى تحقيق ذلك.
وذكّرت المصادر بأن الرئيس ميقاتي، هو من يدعو مجلس الوزراء إلى الانعقاد، بحسب الدستور، وأن الرئيس سليمان يترأس الجلسة في حال حضوره، مؤكدة بأن التئام جلسات الحكومة يتم بالتوافق بين رئيسي الجمهورية والحكومة، وهو ما ينطبق أيضاً على جدول الأعمال.
وإذ لم تستبعد المصادر أن يصار إلى انعقاد جلسات الحكومة في حال استمر الجمود السياسي على هذا المنوال، سيّما وأن هناك مواضيع تستدعي نقاشاً داخل مجلس الوزراء بهدف بتّها، توقعت أن لا تكون الدعوة إلى مجلس الوزراء قريبة جداً، وذلك انطلاقاً من الضرورة إلى بلورة الصورة بشأنها، مؤكدة على أهمية التقيّد بالأصول الدستورية التي تدعى ذلك، وتنفيذ ما ورد في الدستور فيما خص هذه المسألة بالذات.
إلى ذلك، ظلت مصادر سياسية مطلعة على قناعتها بأن أي تطور يتعلق بملف تأليف الحكومة، لا يزال “محبوسا” في انتظار بلورة الصورة الاقليمية، وغياب أي منحى إيجابي بين الأطراف المعنية، لافتة في الوقت عينه إلى أن تعويم حكومة الرئيس ميقاتي أمر مستبعد أيضاً لألف سبب وسبب.

