وقف شرطي السير وسط الشارع، مانعاً عشرات السيّارات من العبور. حَسم الأمر في لحظة، من دون أن يكون مضطراً للشرح. فعل ذلك لأنه كان قادراً على الفعل، لأن السلطة التي يمتلكها تتيح له ذلك، حتى ولو كان قراره لا مبرّر له، بالمعنى العقلاني والواقعي.
لا قيمة هنا للقول بأن قراره «شرعي» وإن كان اعتباطياً. لم يستند الشرطي فيما فعله، ويفعله آخرون كثر من زملائه، إلى سلطة قانون أو إلى هيبة مؤسسة يمثلها، سواء التزمت هذه المؤسسة بالقانون أم لم تلتزم. شرطي السير هذا أخذ من السلطة نصيبه، ومن الهيبة حصته الشخصية. هيبته هذه وسلطته هذه لم تعودا عامّتين… بل هما الآن ملكه الخاص وحقّه الشخصي المكتسب.
يحدث الأمر نفسه أيضاً على صعيد المنتسبين إلى الأحزاب مثلاً. كانت الهيبة للحزب، وكانت السلطة والقدرة له.
حتى في الحالات التي كان يفتقد فيها الحزب القدرة على ضبط مناصريه، كان «الأزعر» الذي تُلصق به تهمة التجاوز يستند في تسلّطه على «سمعة» الحزب أو الجماعة التي ينتمي إليها. وكان ما يميز جماعة عن أخرى هو مدى الالتزام بقرار القيادة التي وحدها تقول متى تمارس سلطتها بالقوة ومتى تعفّ عنها. وكانت ساحة الصراع والحال هذه بين مجموعات، أحزاب وميليشيات وقوى أمر واقع، رسمية أو غير رسمية. لكنها اليوم لم تعد كذلك بالضرورة. أو على الأقل، لم تعد هذه الجماعات وحدها من تحتكر اللعب في النظام. لن يكون العنف من صنع الجماعات فقط، ولن تكون السطوة التي تستبيح بها حياتنا من خصائصها وحدها. معها، دخل الأفراد إلى الساحة. الأفراد الذين طبعتهم الجماعات بخصائصها، واستمدوا منها القوة والهيبة، ليحددوا بها ـ وقد صارت ملكهم الشخصي ـ شكل نظام جديد يبني قواعده الآن، يرسم حدوده وضوابطه التي تتعدد وتتنوع بتعدد الأفراد الذين يشكلونه وتنوّع مصادر السلطة التي اكتسبوها. وهي حدود وضوابط ستختلف عن تلك التي تحكم العلاقة بين الجماعات، وستكون أشد وطأة على حياتنا اليومية.
وإذا كانت الجماعات تستبيح حياتنا تحت سقف نظام يضبط المشهد بشكل عام ويرعى مصالحها، فها هي اليوم تتفكك، بهذا المعنى، إلى أفراد، يمارسون ما تقتضيه مصلحة الجماعة، ويمارسون في الوقت نفسه ما تقتضيه مصالحهم الشخصية أو أمزجتهم، لكن بالأدوات نفسها.
أمثلة؟
– كهؤلاء المرافقين الأمنيين لنائب (وغيره مثله) يشعر الواحد منهم بفائض من القوة يسمح له بالاعتداء على ناشطين سلميين مساء، وإشهار السلاح في وجههم ودهس إحداهن صباح اليوم التالي… أمام أعين قوى الأمن. وهو ما حدث لمجموعة «نسوية» في حادث اشتهر منذ يومين.
– كهؤلاء الشبان في طرابلس، منذ يومين أيضاً، يعرفون أن بمقدورهم إطلاق القذائف والرصاص في الهواء وسط أحياء مأهولة بالسكان، لترهيب هؤلاء السكان، تعبيراً عن غضبهم أو احتجاجهم. الفعل هنا يصبح هو الأصل وليس العرَض. والسؤال هو عن الحدود التي تلتزمها الأمزجة.
الاستباحة التي نشكو منها اليوم هي، بدلالة عنفها الشديد والمجاني أو ما يشبه ذلك، علامة على الإنهاك الذي طال ذلك النظام، على وصوله إلى التفكك والـ«خصخصة». وهي أيضا ثمن لذلك النظام الآيل إلى التحوّر، النظام الذي ارتضيناه طويلاً، ليس بالقبول به، أو بالسكوت عنه فحسب، بل والانخراط غالباً في تشكيلاته وسلوك مسلك لاعبيه في التسلط، وفي اللجوء إلى العنف عندما يستدعي الأمر ذلك.
صورة النظام طَبعتنا فصارت صورتنا نحن.
وللتوضيح، ها هي أمثلة «غير سياسية»:
هي صورتنا في سائق يرى أن من حقّه تجاوز كل السيارات التي أمامه حتى لو استدعى الأمر إرغامها على الانحراف خارج الطريق، في رجل يهجم على فتاة بأبشع عبارات التهديد والشتائم فقط لأنها اعترضت على تحرّشه الفظّ في الشارع…
حين قرر شرطي السير منع عشرات السيارات من المرور، تمكّنت واحدة من تجاوزه وكسر قراره. سيارة عادية لمواطن عادي، ليست فخمة، ولا تحمل العلامات المتعارف عليها للسلطة. سيارة كان من الواضح أن سائقها مواطن يؤمن بامتلاك ما يؤهله لأن يصطدم بإرادة الشرطي، فيغلبها. وهذا أخطر ما في الأمر.

