مبروك لنواب لبنان ولايتهم الممددة.
مبروكة لهم تلك الدقائق العشر الثمينة، عندما أنزلوا حمولة جبال من الخلافات السياسية بأرقام ومسميات مختلفة، ليشبكوا أيديهم قبل أن يرفعوها عاليا رافعين علامة النصر.
انتصرت ديموقراطية العجز. ديموقراطية فاقدي الأهلية الوطنية. ديموقراطية من أدمنوا "التعليمة"، ولو تعدد الأوصياء الخارجيون، منذ الاستقلال الهجين الى يومنا المثخن بالجروح الوطنية الكبرى.
بلعت "الدول" ألسنتها. اكتفت واشنطن والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بالتعبير عن "الأسف الشديد"، أما بريطانيا، فتفهمت، ولم تهمس "الأم الحنون" حتى بأسف صغير، وتركت دول "الربيع العربي" للبنان أن يتغنى بديموقراطيته الزائفة.
ولولا حبات البندورة الحمراء التي تطايرت من فوق رؤوس المتوارين في مقاعد سيارات اللوحات الزرقاء، لكان يوم التمديد قد توج بحلقات الدبكة والميجانا في كل نواحي الجمهورية.
لعلها أكبر عملية نصب سياسي في تاريخ الجمهورية. في أقل من عشر دقائق، شهد اللبنانيون أسرع عملية سطو على إرادتهم. ضاق الرصيد وتوسّع قميص الولاية المجلسية ليزيد مقاسه سبعة عشر شهرا، بالتكافل والتضامن بين 97 نائبا، يمثلون كل ألوان الانقسامات السياسية والطائفية والمذهبية، يستثنى منهم ميشال عون ونواب حزبه البرتقالي.
قطع نواب الأمة بتمديدهم لأنفسهم، امس، نصف الطريق، في انتظار ما يقرره مجلس دستوري، سيتقدم بالطعن إليه، من كان أكثر الطاعنين بدستوريته أصلا، ليصبح الجواب معروفا: إرادة السياسيين ونظامهم الطائفي هما الاقوى، ولن يكون بمقدور المجلس الدستوري الا أن ينحني اجلالا لمن عينوه ويصادق على الاتجاه الذي يريدونه.. إلا إذا حصلت مفاجآت ولا يبدو أن الزمن اللبناني، هو زمانها اليوم.
لم يكتف الممددون بجناية التمديد، بل أضافوا اليها جناية اخرى بإيهام الناس بأن ما جرى "هو أبغض الحلال"، وانهم مددوا "منعا للحرب الاهلية"، و"صونا للمؤسسات"، و"منعا لسقوطها في فخ الفراغ القاتل".
استخف الممددون لأنفسهم بعقول الناس، فمن عجز منذ انتهاء الحرب الأهلية قبل حوالي نصف قرن، عن ابتداع قانون انتخابي واحد "صنع في لبنان"، هل يمكن أن يلتقطه في فرصة الـ17 شهرا، أم أن التمديد اليوم، سيكون مقدمة لتمديد ثان وثالث غدا، اذا استمر إفلاس الطبقة السياسية وعجزها عن ابتداع صيغة قانون انتخابي من عندياتها؟
وإذا كانت مفاعيل التمديد المجلسي كعمل إجرائي تبدو محصورة بالسلطة التشريعية، الا ان هذه الخطوة تحمل في طياتها بذور تمديد لواقع سياسي كامل.
تلك هي صورة الدولة الممدد لها والمفتوح غدها على المجهول، وعبثا يتوهم اللبنانيون ان سرقة ولاية مجلسية، مهما طال عمرها أو قصر، يمكن أن تشكل صمام أمان وقارب نجاة في بحر التعقيدات والتوترات والتحولات في لبنان والمنطقة.
تلك هي الدولة المتهالكة إدارتها، المعطلة مؤسساتها، المريضة بأمنها وبالعصابات والطائفيات والمذهبيات، المحكومة بالفلتان والفراغ، المهددة مؤسستها العسكرية، المضغوط على أمر مواطنيها بالقلق والخوف ولا من يطمئنهم.
ومن البديهي القول ان التمديد ينقل البلد من مرحلة الى مرحلة، كما يفرض وقائع جديدة، فهل تملك دولة كهذه ان تقوم بإجراءات او تملك تصورات احترازية استباقية لمرحلة ما بعد التمديد؟
هل سنشهد من الآن وحتى صدور قرار المجلس الدستوري بالطعن المزدوج المفترض تقديمه من قبل ميشال سليمان وميشال عون، سجالا سياسيا ودستوريا محموما يواكب عمل المجلس الدستوري، وربما ما هو اكثر من ذلك للتأثير على قرار المجلس؟
هل صحيح ان ميشال سليمان قد تعب وحسم خياره بعدم القبول بتمديد ولايته، ام ان ثمة قطبة مخفية يمكن أن تبدل حساباته وتمدد ولايته في آخر لحظة؟
ما هو موقع ميشال عون بعد التمديد، واي طريق سينحو بعد ان ينتهي من لعبة الاستثمار في الشارع المسيحي؟ هل سيعتمد مقاربة جديدة مع حلفائه ام انه سيجد نفسه في المرحلة المقبلة امام حتمية الشراكة التي تتطلب تنازلات منه ومن غيره؟
هل ستفتح مرحلة ما بعد التمديد المجلسي باب الانتقال الى اولويات اخرى؟ هل ثمة مقاربة سياسية لملف تأليف الحكومة الجديدة بقواعد ومعايير مختلفة عن قواعد ومعايير ما قبل التمديد؟
هل ان التفاهم بين قوى التمديد على ضفتي "8 آذار" و"14 آذار" ووليد جنبلاط هو تفاهم مؤقت انتهت مفاعيله مع اقرار قانون التمديد، ام ان له تتمة طبيعية تترجم هذا التفاهم بتشكيلة حكومية متوافق عليها تواكب المرحلة المقبلة التي لن تتجاوز عمر انتهاء الولاية الرئاسية في نهاية أيار 2014؟
هل سيبقى التكليف منعقدا سياسيا، داخليا وخارجيا، لتمام سلام، وهل يستطيع النائب البيروتي الممدد له، أن يوفر محركات جديدة أم أن محركات التأليف الانتخابي ما زالت قائمة ومعها شروط من نوع رفض توزير الحزبيين ووضع "فيتو" على الثلث الضامن.. وهل يمكن أن يقوده ذلك الى خيارات اخرى في عملية التشكيل؟
هل صحيح ان "تيار المستقبل" بدأ يشترط علنا عدم اشراك "حزب الله" في الحكومة الجديدة رابطا ذلك بمشاركة الحزب في الاحداث السورية، مكملا بذلك ما سبق ان طرحه سمير جعجع قبل ايام، وإن صح ذلك، فهل هو يندرج في سياق "اجندة" محلية او خارجية تستجيب او تلاقي الهجوم الدولي على "حزب الله"؟
هل يملك الداعون الى عزل "حزب الله" قدرة إخراجه من الحكومة.. والأهم حكم البلد من دونه؟
أليس "حزب الله" أحد عرابي إنتاج التمديد المجلسي تحت عنوان الحرص على الاستقرار، الا يعني السعي الى عزله واستثنائه اخذ البلد الى مرحلة جديدة من الاشتباك السياسي؟
هل يستطيع "تيار المستقبل" و"14 آذار" ان يشكلوا حكومة من طرف واحد، وماذا عن موقف وليد جنبلاط، وهل يمكن أن يشارك بمغامرة من هذا النوع، وهل يستطيع ميشال سليمان ان يكون شريكا في توليد حكومة من شأنها اشعال فتيل حريق لا احد يعرف حجمه والى اين قد يمتد، وهل يستطيع تمام سلام إدارة لعبة خطيرة كهذه؟
ان العمر المفترض للحكومة الجديدة، هو سنة تنتهي مع نهاية الولاية الرئاسية في 25 أيار 2014، فهل ستعمد القوى السياسية الى اتباع سياسة التبريد ام ان في خلفية البعض ان يلعب لعبة الفراغ الرئاسي وتكرار التجربة السابقة مع اميل لحود حينما انتهت ولايته وانتقلت صلاحياته الى حكومة "14 آذار" برئاسة فؤاد السنيورة؟

