لم يبدّل طرْح رئيس «جبهة النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط ما وُصف بأنه «مبادرة» للخروج من الازمة السياسية في لبنان، مناخ التعقيدات التي تكتنف هذه الازمة والتي تبدو أصعب من ان تُذلّل باي مبادئ سياسية عامة كتلك التي تضمّنتها المبادرة ولو ان احداً لم يعارضها علناً. بل ان الوضع الداخلي بدا متجهاً نحو مزيد من الجمود والمراوحة في ظل الاتجاه الى تأجيل جولة الحوار الوطني في قصر بعبدا والتي كانت مقررة غداً نظرا الى مقاطعة قوى «14 آذار» ورفضها التراجع عن هذا الموقف رغم تكرار رئيس الجمهورية ميشال سليمان دعواته الى الجميع لترك رهاناتهم والمجيء الى حوار بلا شروط.
أوضحت اوساط بارزة في قوى المعارضة لصحيفة «الراي» الكويتية ان موقفها من ورفض الجلوس مع «8 آذار» لا يُعتبر في ايّ شكل موجهاً ضد رئيس الجمهورية ودوره الذي تُسلّم به هذه القوى وتقدّره، بل ينطلق من مسألة مبدئية لم تعد قابلة للجدل او التنازل وخصوصاً في ظل السياسات والمواقف التي يتخذها الفريق الحكومي عموما وفريق «8 آذار» تحديداً.
واضافت ان العودة الى الحوار غداً، لو حصلت، لكانت لتشكل «مهزلة حقيقية» بعد خطاب الامين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله في ذكرى عاشوراء الاحد الماضي، حيث بدا مرة جديدة كأنه يختزل قرار السلم والحرب بمعزل عن وجود دولة وحكومة واطراف سياسيين، حلفاء كانوا او خصوماً، وذهب أبعد من ذلك في تحدي فريق المعارضة ودول اقليمية وعربية ملقياً عليها تهمة «خدمة اسرائيل» لانها تناهض سياسات ايران التوسعية التي تتدخل في شؤون دول اخرى.
وذكرت الاوساط نفسها ان ايضاحاتٍ أُبلغت الى قصر بعبدا سيُستكمل ابلاغها في الساعات المقبلة تستند الى التمييز بين موقف المعارضة الشديد التقدير لدور رئاسة الجمهورية وبين الموقف من قوى الاكثرية و«8 آذار» لان كل ما يجري على هذا المستوى يُعتبر استفزازاً متعمداً للمعارضة ولن تقبل هذه الاخيرة بعد اليوم بأي تراجع في مواقفها ولا في مقاطعتها لكل نشاط تقوم به الحكومة او تشارك فيه الى ان يحصل التغيير الحكومي الذي تريده «14 آذار» لمصلحة حكومة حيادية.
اما في ما يتعلق بمبادرة جنبلاط، فلم تُظهر الاوساط نفسها حماسة ملحوظة لها ولو انها أبدت انفتاحاً على مناقشتها واعتبارها محاولة لكسر جليد الأزمة. ولفتت في هذا السياق الى ان المبادرة لا تعدو كونها مبادىء للتهدئة السياسية والاعلامية لكنها تفتقر الى آلية عملية من شأنها ان تفتح باب النقاش حول مسألة جوهرية لا خروج من الأزمة من دونها وهي عملية التغيير الحكومي.
وتعتقد الاوساط ان جنبلاط أراد عبر هذه الحركة ان يحصّن تموْضعه الوسطي بين فريقيْ «8 آذار» و»14 آذار»، اكثر من أي شيء آخر، فعمد الى توزيع الانتقادات بالتوازن بين الفريقين في المؤتمر الصحافي الذي عقده في المختارة، من دون ان يذهب الى نقاط تصعيدية من شأنها ان تثير غضب اي فريق عليه. لكنه في الوقت نفسه لم يقدّم جديدا يُعتد به، وهذه دلالة على استمرار دوران الجميع في حلقة مفرغة، كما ان ذلك يعتبر مؤشراً الى ان زمن الحلول الحقيقية لم يحن بعد.
واستبعدت الاوساط تبعا لذلك اي حلحلة قريبة في الجهود الايلة الى فتح ملف تغيير الحكومة جدياً، معتبرة ان الوضع الحالي هو مجرد تعبئة للفراغ والانتظار، وهي مرحلة مرشحة لان تطول الى مطلع السنة الجديدة على الاقل ما لم تحصل تطورات مفاجئة اقليمية او داخلية، من شأنها تبديل المشهد السياسي.

