يخيم شبح الظلام على لبنان، لا لعطل طارئ في معامل إنتاج كهرباء لا تكاد تعمل، ولا لانقطاع طارئ بفعل فاعل، أو عامل طبيعي، بل لتعطل الشعور بالمسؤولية والانصراف إلى لعبة عض أصابع متبادلة في «مؤسسة كهرباء لبنان»، بهدف تحقيق مكاسب خاصة وتسجيل نقاط انتخابية.
وأظهرت التطورات المتسارعة في الساعات الأخيرة، بدءًا بتصعيد تحرك المياومين، وهجرة إدارة «مؤسسة كهرباء لبنان» من الأشرفية الى معمل الذوق، أن المساعي التي يتولاها النائب سليمان فرنجية و«حزب الله»، وآخرها لقاء بنشعي، أمس الأول، الذي حضره فرنجية والوزير جبران باسيل والحاج وفيق صفا والوزير السابق يوسف سعادة، قد فشلت حتى الآن في رأب «الصدع الكهربائي» بين «الرابية» و«عين التينة».
وإذا كانت مصادر مطلعة على أجواء لقاء بنشعي قد تحدثت عن «تضييق مساحة التباين»، ولكن من دون بلورة أي تفاهم مشترك حتى الآن، فإن التطورات التي شهدتها حلبة المياومين في مؤسسة كهرباء لبنان، أمس، دفعت الأمور نحو المزيد من التعقيد، علما أن فترة بعد ظهر أمس، شهدت مشاورات مكثفة، بين «حزب الله» و«أمل» لاحتواء الموقف.
غير أن الرئيس نبيه بري رفض الحديث معه في الموضوع، داعيا الوسطاء إلى التواصل مع معاونه السياسي الوزير علي حسن خليل، الذي سأل لماذا لا يحاور وزير الطاقة جبران باسيل المياومين أسوة بما يفعل باقي الوزراء في مواجهة قضايا مطلبية أخرى؟
ميقاتي وغصن
على خط المياومين
ودخل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على خط المساعي الكهربائية، وأكدت أوساطه أنه أجرى اتصالات بالمعنيين بالملف الكهربائي، ولا سيما الوزير باسيل ورئيس مجلس إدارة «مؤسسة كهرباء لبنان» كمال حايك، وأيضا قيادة الاتحاد العمالي العام. وقالت أوساط ميقاتي لـ«السفير» إن الكلام الصادر عن عتمة في لبنان، «كلام مبالغ فيه»، وإن الاتصالات مستمرة مع الجهات المعنية كافة «في سبيل إيجاد حل قريب لهذه المسألة».
في غضون ذلك، لم يكن لجوء المياومين إلى تصعيد تحركهم، أمس، مفاجئا، بل كان المفاجئ تلويح إدارة «مؤسسة الكهرباء» بقطع التيار الكهربائي عن كل لبنان، الأمر الذي أشاع جواً من التساؤلات حول مغزى هذه الخطوة المفاجئة، وما إذا كانت منطلقة من أسباب تقنية بحتة، أو أنها منطلقة من خلفيات سياسية؟
وكان العمّال المياومون وجباة الإكراء قد أقفلوا أبواب «مؤسسة الكهرباء» بالإطارات المشتعلة والسلاسل الحديدية، احتجاجا على عدم قبض رواتبهم منذ أشهر، وعلى التأخر في إقرار قانون تثبيتهم في ملاك المؤسسة.
ولوحظ في هذا السياق دخول الاتحاد العمالي على خط الاعتصام مباشرة، وقال رئيسه غسان غصن لـ«السفير» إن الاتحاد أطلق مبادرة ترتكز على التمسك بقانون تثبيت المياومين، كما أقرّه مجلس النواب، ولا سيما لناحية إجراء مباراة التثبيت وفق الشروط والآلية التي يحددها هذا القانون، والحفاظ على ديمومة عمل العمال غير المشمولين بأحكام قانون التثبيت، ومساواتهم مع زملائهم العاملين ودفع أجور العمال، كبادرة حسن نية من إدارة «مؤسسة الكهرباء»، تلاقي حركة المفاوضات التي سيقوم بها الاتحاد مع وزير العمل سليم جريصاتي، في سبيل الوصول إلى عقود عمل تعطي العامل حقوقه كافة.
ورداً على سؤال، قال غصن إن ما عطّل المبادرة، هو الإصرار على عدم دفع أجور العمال، مشيراً إلى استعداد المياومين لحل المشكلة، «ولكن ليعطوهم معاشاتهم على الأقل».
المياومون وباسيل:
خطوات متقابلة
بدورها، عقدت لجنة المتابعة للمياومين اجتماعا طارئا قررت خلاله الاستمرار بإقفال المؤسسة والدوائر كافة، بالسلاسل الحديدية، إلى حين قبض الرواتب والمستحقات.
وردت «مؤسسة الكهرباء» على الإقفال بالإعلان عن انتقال مجلس الإدارة إلى معمل الذوق، حيث عقد جلسة استثنائية قرر خلالها اعتبار المؤسسة مقفلة قسرًا بسبب احتلالها، مشيراً إلى أن هذا الإجراء «سيؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي عن كل الأراضي اللبنانية، خلال الساعات المقبلة».
وفي خطوة تصعيدية ثانية، أعلنت المؤسسة عن «إخلاء مبنى التحكم الوطني الذي يمكن من خلاله التحكم بالشبكة»، مشيرة إلى أنه «لم يعد بالإمكان إجراء مناورات فصل وإعادة التيار بحسب المعتاد، ما سينعكس سلباً على التغذية الكهربائية في كل المناطق اللبنانية».
وفي انتظار الموقف الذي سيعلنه العماد ميشال عون أو الوزير جبران باسيل بعد اجتماع «تكتل التغيير والإصلاح» اليوم، نقل مقرّبون من باسيل عنه استغرابه التصعيد الحاصل، «خاصة أننا كنا أمام مشروع حل تم التوصل إليه مع الرئيس بري فلماذا لم ينفذ»؟
وتبنى باسيل، حسب المقربين منه، ما ذهبت إليه «مؤسسة الكهرباء» لجهة تحذيرها من الانقطاع الشامل للكهرباء إذا ما بقي احتلال المؤسسة قائماً.
في المقابل، أعلنت «لجنة المتابعة للمياومين» أن موظفي غرفة التحكم «هم من رفضوا مواصلة عملهم بعد الاتصال بهم من جهة ما».
وحول التلويح بقطع الكهرباء، أوضحت مصادر اللجنة أنه «إذا حصل ذلك، سيكون عمداً من مديري المؤسسة، فضلا عن أن هناك أكثر من غرفة ضبط وتحكم، تستطيع إدارة الشبكة عبر التحكم فيها، ومن هذه الغرف واحدة موجودة في منطقة الحرش في بيروت».
من جهة ثانية، راوحت الاتصالات واللقاءات التي عقدتها «هيئة التنسيق النقابية» على مدى اليومين الماضيين، مع عدد من الوزراء مكانها، ولم تفلح في التوصل إلى «وعد صريح بإقرار سلسلة الرتب والرواتب».
واستبعدت مصادر وزارية أن يتم التوصل الى شيء حاسم يوم غد الأربعاء، وأن كل ما هو متوقع أن يصار الى التوافق على بعض الأفكار والحلول في اجتماع اللجنة الوزارية، على أن يتم رفعها إلى جلسة مجلس الوزراء، الأسبوع المقبل، إما يوم الثلاثاء أو الأربعاء المقبلين (7 و8 آب).

