ألقى العلامة السيد علي فضل الله خطبتي صلاة الجمعة من على منبر مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، في حضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية: "اتقوا الله حق تقاته، ولنحرص ونحن نعيش ذكرى الولادة المباركة للامام المهدي أن نعبر عن ولائنا، أن نلتزم الهدف الذي سيسعى لتحقيقه، أن نلتزم العدل، حتى لو كان العدل على حسابنا، العدل في حال الرضى والغضب، ومع الصديق والعدو، وأن نقف في مواجهة الظلم بكل الوسائل التي نمتلكها. حتى لو كان الظالم من طائفتنا، من مذهبنا، من حزبنا، من موقعنا السياسي، فلا نكون حياديين بين الحق والباطل، بين العدل والظلم، لأن الحياديين هم شركاء للظالمين وللطغاة بصمتهم، بسكوتهم، بتخاذلهم، يعطونهم بذلك قوة ودعما".
واضاف: "إننا في ذكرى ولادة الإمام المهدي نجدد عهد الوقوف مع المستضعفين ضد المستكبرين، عهد الوقوف مع العادلين ضد الظالمين، لا نفرق بين ظالم وظالم، ولا بين طاغ وطاغية، ولا بين مستكبر ومستكبر، بالنسبة إلينا ليس ذلك خيارا قابلا للأخذ والرد، بل هو واجبنا، هو دين ندين لله به، وهو متضمن في وصية أمير المؤمنين لولديه الحسن والحسين: "كونا للظالم خصما وللمظلوم عونا".
وتابع: "لذلك نقف مع الشعب الفلسطيني في وجه جلاديه الصهاينة الذين لا يكتفون باحتلال فلسطين وتشريد أهلها، بل لا يزالون يمارسون سياسة القتل عبر الغارات التي يشنها هذا العدو على غزة المحاصرة لإبقاء القطاع رهينة الحصار الأمني، إلى جانب ما يتعرض له من حصار اقتصادي واجتماعي لا يزال يعانيه.
أما سوريا حيث يستمر نزف الدم فيسقط فيها العشرات في كل يوم، وينطلق فيها العنف تحت عناوين طائفية تارة وسياسية أخرى، بينما تعمل المحاور الدولية على إدخال هذا البلد في تجاذباتها الداخلية، وفي لعبة المساومات التي قد لا تكون في مصلحة الشعب السوري وقراره المستقل".
وقال: "إننا نعيد التأكيد للشعب السوري بكل مكوناته أن يعي جيدا مدى الاستهداف الذي يتعرض له، حيث يراد لهذا البلد أن يدخل في دائرة الاستنزاف الداخلي حتى لا يبقى فيه موقع من مواقع القوة.
وإن الحوار يبقى هو السبيل الوحيد لتفادي الدخول في حرب أهلية دامية، تحرق الأخضر واليابس، قبل أن يفوت الأوان ولا تعود لغة الحوار هي اللغة المقبولة في ظل التسليح واستقدام مقاتلين وعمليات التفجير والاغتيال التي أصبحت واقعا يوميا في هذا البلد".
واضاف: "نصل إلى لبنان، الذي لم يخرج من مرمى النيران الصهيونية وأطماع العدو، ولا يزال تحت المراقبة الدقيقة من الكيان الصهيوني، الذي يستبيح البلد بعملائه وأجهزته الاستخبارية، إلى جانب تجسسه على الشبكة السلكية للمقاومة، الأمر الذي يؤكد أننا لا نزال في حال حرب مع هذا العدو، وخصوصا أن الأمم المتحدة لم تقم حتى الآن بإعلان وقف النار، وأبقت المسألة في دائرة إيقاف الأعمال العدائية، ليبقى أمام العدو هامش من الحرية والمناورة للعدوان على المستوى الأمني، وحتى السياسي والاستخباري وما إلى ذلك".
وتابع: "إنه لشيء يبعث على التساؤل حقا، أن تنطلق بعض الأصوات والمواقف في مواجهة سلاح المقاومة، من دون أن تأخذ في الاعتبار سلاح العدو وغطرسته، هذا العدو الذي لا يزال يتربص بالوطن، كل الوطن، بكل فئاته، والذي ينتظر أي فرصة للانقضاض عليه. ولهذا نقولها: مزيدا من المسؤولية في التعامل مع سلاح المقاومة الذي نؤكد، كما تؤكد قيادته، أنه موجه ضد العدو الصهيوني، ونريد ألا يكون موجها ضد الداخل في أي يوم من الأيام، ومزيدا من التبصر لعواقب إفقاد هذا البلد قوة أثبتت الأيام السابقة جدواها وستبينها لاحقا، وإذا كان من هواجس من هذا السلاح والخوف منه، فلا يكون ذلك بإثارة الجو ضده ولا بقطع الطرقات، بل بالحوار الموضوعي الذي يراعي الهواجس والمخاوف والحساسيات، ولا ينسى قوة البلد وعزته، والعدو الصهيوني وغطرسته".
وقال: "كنا ننتظر من هذه الحكومة أن تكون حكومة الفريق الواحد، فتنطلق في خطة أمنية واقتصادية، تنهض بالواقع الاجتماعي، وتمنع كل الذين يريدون العبث بأمنه عبر الإثارة المذهبية والطائفية، أو العودة إلى مسلسل الاغتيال أو إدخاله في التوترات التي تعصف بمحيطه، ولا سيما سوريا، فإذا بالمتاريس تنصب بين مكونات هذه الحكومة، وتعمق خطوط التماس بينها لتقطع طرق الحلول التي ينتظرها اللبنانيون بفارغ الصبر.
إننا نعيد التأكيد على كل المسؤولين في البلد، أن يتطلعوا جيدا إلى معاناة الناس الذين باتوا يعيشون اليأس في واقعهم، هم خائفون لا يشعرون بأن هناك دولة تحميهم، ولا قضاء يأمنون على أنفسهم فيه، ومن هم في مواقع الدولة باتوا يفكرون بطموحاتهم الانتخابية المقبلة تارة والطائفية تارة أخرى، وإذا أصدروا قرارات تشكل نافذة ضوء للمواطن، سرعان ما تتبدد بعدم التطبيق أو الإهمال".
واضاف: "إننا ندعو الحكومة إلى أن تسارع الى حل المشاكل في داخل مؤسسة مجلس الوزراء، وجلسات المجلس النيابي، لا عبر وسائل الإعلام.
إننا في هذا نتطلع بريبة إلى زيارة المسؤولين الأميركيين وتصريحاتهم التي تسعى إلى زج لبنان في مهب رياح الواقع السوري، وندعو اللبنانيين إلى وعي اخطار هذا التحرك".
وختم متوجها الى المسؤولين: "إن البلد في حاجة إلى الكبار الذين يخرجون من ذاتياتهم وطوائفهم ومذاهبهم ومواقعهم السياسية، ليفكروا بحجم هذا الوطن، بحجم إنسانه. إننا نحتاج إلى هؤلاء، نخشى ألا نجدهم، ويبقى الأمل بالإنسان الواعي الذي يختزن المعاناة ويبدأ في التغيير وقت التغيير، ويبقى الجرح المفتوح المتمثل في المخطوفين اللبنانيين، حيث السؤال أين أصبحت قضيتهم؟ وهو سؤال للحكومة، وسؤال لكل الذين يملكون التأثير في الخاطفين، سؤال لكل إنسان يفكر بإنسانيته. وإلى أن يتحقق ذلك، سنبقى ندعو لهم بالعودة سالمين إلى أهلهم ووطنهم".

