بعد "حرب الطائرات" العسكرية من طراز "ميغ21" و"أف-4"، وتصاعد المخاوف اللبنانية من ارتدادات حادة على "أرض التناقضات" في لبنان، وبروز ملامح تمزق مجتمعي وهيجان عصبي ومذهبي في غير مكان، كثفت قيادات طاولة الحوار مشاوراتها لانضاج تفاهمات بين التيارات المجمعة الى الطاولة، أو تقريب وجهات النظر عبر الاجتماعات التي عقدها الرئيس ميشال سليمان، بعيدا عن الاعلام، والتي كان من أبرز محطاتها، الاجتماع مع الرئيس فؤاد السنيورة الذي استقبله رئيس الجمهورية امس الاول، وقبله رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد والرئيس أمين الجميل.
واذا كان الرئيس سليمان الواثق من قدرة المتحاورين على تدوير الزوايا الخلافية في لحظة اشتداد المخاطر على الاستقرار الداخلي، فإن المحادثات الجانبية، ولا سيما اللقاء التنسيقي بين حزب الكتائب وتيار "المستقبل" على مائدة الرئيس الجميل في بكفيا في حضور قيادات من قوى 14 اذار المسيحية، ابرزهم النائبان بطرس حرب ودوري شمعون وعميد حزب الكتلة الوطنية كارلوس إده، والذي أدّى إلى تفاهم على خمس نقاط، سيجري التمسك بها على طاولة الحوار، انطلقت من ضرورة عدم التفريط بالفرصة المتاحة لهيئة الحوار، لئلا تشتد العوامل السلبية على الوضع الداخلي الهش، ويصير من الصعب السيطرة عليه، وهذا ما شدد عليه وزراء خارجية كل من بلغاريا والسويد وبولونيا الذي أنهوا محادثات جدية مع المسؤولين اللبنانيين، تحت عنوان ابعاد الساحة اللبنانية عن تداعيات الازمة السورية.
عوامل قلق
وتكتسي جولة الاثنين الحوارية أهميتها مع تزايد العوامل السلبية المحيطة بالاستقرار الداخلي، والتي يمكن تلخيصها بالتطورات الآتية:
1 – إثارة اجواء البلبلة وترعيب المواطن اللبناني والسائح العربي، عبر بث معلومات خاطئة، أو تضخيم اخبار غير موثوق بها عن تحذير الدول العربية او الاجنبية رعاياها من البقاء او الذهاب إلى لبنان، والتي كان أخرها ما نسب إلى السفارة السعودية في بيروت من أنها طلبت من رعاياها مغادرة البلد، وهو الامر الذي نفته السفارة بلهجة حادة، معتبرة ان "هذا النوع من الشائعات يساهم في نشر البلبلة ولا يخدم مصلحة لبنان".
2 – ما كشفه الامين العام للجهة الشعبية – القيادة العامة احمد جبريل في حديث إلى قناة "الميادين" من ان "الاسرائيليين يريدون احراق لبنان في حرب طائفية ومذهبية وهم يراهنون على ان الوضع في سوريا ضعيف، ولا يمكنها مساعدة لبنان كالسابق في حال حدوث اي اجتياح اسرائيلي للبنان".
3 – بالتزامن، النبرة غير المسبوقة لامام مسجد بلال بن رباح الشيخ احمد الاسير في مخاطبة الرئيس نبيه بري والامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، اذ خاطبهما طالبا منهما تسليم سلاحهما الى الجيش، والى التوقف عما اسماه الاستفزازات ضد السنة والهيمنة على مفاصل الدولة، وزاد على ذلك بتحذير الرجلين، من انهما "اذا لم تتداركا الامر وتعملا على تهدئة الوضع فلن أدعكما تنامان الليل مع نسائكم واطفالكم"، لكنه استدرك ذلك بتعبير "سلمياً".
4 – البيان الذي نسب إلى أهالي المخطوفين اللبنانيين في سوريا، ووزع أمس في الضاحية الجنوبية بتوقيع "زوار الإمام علي الرضا"، والذي أعطى مهلة 72 ساعة لحل قضية المخطوفين في سوريا أو يتم التحرّك بعدها، ومع ان اهالي المخطوفين تبرأوا من البيان، الا أن توزيعه كمنشور أوحى ان ثمة جهات بدأت تتلاعب بعواطف هؤلاء أو تستدرجهم إلى تصرفات سلبية، على غرار قطع طريق المطار، أو التلويح باحتلال باحاته.
يضاف إلى كل ذلك، تنامي حوادث خطف المواطنين ولا سيما في منطقة البقاع، حيث سجل أمس حادثا خطف في يوم واحد، تمكن أحدهما وهو محمّد مكية من الإفلات من خاطفه على طريق بعلبك – دير الأحمر، فيما لا يزال مصير الفتى إبراهيم زين الأتات مجهولاً ورهن الفدية التي طلبها خاطفوه على طريق المديرج – صوفر.
مشاورات تحضيرية
ومهما كان من أمر عوامل القلق هذه، فان الرئيس سليمان، بحسب ما نقلته عنه اوساطه، أنهى مشاوراته مع أقطاب الحوار بعيداً عن الإعلام، تحضيراً لجولة الاثنين، والتي تؤكد المصادر بأنها ستبدأ بمناقشة بند الاستراتيجية الدفاعية، انطلاقاً من العناوين الثلاثة التي وضعها لهذه الغاية والتي تتصل اساساً بمسألة السلاح، سواء ما يتعلق منه بسلاح المقاومة، أو السلاح الفلسطيني داخل وخارج المخيمات، أو السلاح المنتشر داخل المدن والأحياء، علماً أن مسألة السلاح الفلسطيني، سبق أن اتخذت طاولة الحوار الأولى، في آذار 2006 قراراً بشأنها من دون أن يتم تنفيذه لغاية الآن.
وأشارت المصادر إلى انه ليس مهماً من أية نقطة سيبدأ أقطاب الحوار تناول عنوان الاستراتيجية الدفاعية، مع التأكيد هنا على أن انتشار السلاح، فضلاً عن الفلتان الأمني بات عنصراً ضاغطاً يفرض على المتحاورين عدم تجاهله، أو غض النظر عنه. ونقلت هذه المصادر عن الرئيس سليمان قوله لعدد من المتحاورين: لا تستعجلوا الأمور فالنتائج تسير في الاتجاه الصحيح، كاشفاً في هذا السياق عن نقاط كثيرة يمكن التفاهم او التوافق عليها، على غرار ما حصل "باعلان بعبدا" الذي صدر في اعقاب الجولة الاعلى، باجماع الاقطاب الـ17 حيث اكتشف هؤلاء، ان ثمة افكاراً يمكن ان تشكل قواسم مشتركة، او مبادئ يلتقي عليها الجميع.
افكار 14 آذار
وبالتوازي مع ذلك، كشفت مصادر قيادية في قوى 14 آذار، ان المشاورات التي اجرتها قيادات 14 آذار، مؤخراً ولا سيما "غداء بكفيا" بين الرئيس الجميل والرئيس السنيورة، افضت الى مجموعة افكار ستطرح على طاولة الحوار يمكن تلخيصها بخمسة عناوين وهي:
1- ان الحوار الذي بدأ يجب ان يكون مجدياً، وهذا الامر لا يمكن ان يتأمن الا من خلال البحث بسلاح "حزب الله" والبحث في كيفية وضع هذا السلاح بإمرة الدولة.
2- برمجة تنفيذ المقررات السابقة للحوار، لا سيما في ما يتعلق بالسلاح الفلسطيني خارج وداخل المخيمات.
3- انطلاقاً من النقطة الاولى، فإنه يجب تفعيل "اعلان بعبدا" لا سيما وانه تناول نقاطاً مهمة، ومنها على سبيل الحصر التمسك بالطائف والدستور، واعتبار مقدمة الدستور من البنود التأسيسية، مما يعني ان الدعوة الى المؤتمر التأسيسي الذي طرحه السيد نصر الله، قد تم تجاوزها، وبالتالي لا داعي للعودة اليه.
4- تفعيل البند 12 من "اعلان بعبدا" والذي يدعو الى تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الاقليمية والدولية، وتجنيبه الانعكاسات السلبية للتوترات والازمات الاقليمية، مستشهداً في هذه النقطة بتصريح وزير الدفاع الايراني عن صواريخ "حزب الله".
5- التأكيد بأن عملية نقل البلد الى وضعية مستقرة لا تتأمن في ظل الحكومة الحاضرة، وبالتالي فإن الاولوية يجب ان تعطى لتشكيل حكومة حيادية لانقاذ البلد من الوضع الفالت وغير الممسوك.
الاتحاد الأوروبي
وكان الرئيس سليمان، قد أبلغ بعثة الاتحاد الأوروبي التي زارت قصر بعبدا، في سياق جولتها على المسؤولين، وشملت كلاً من الرئيس نبيه بري والرئيس السنيورة ولجنة الشؤون الخارجية البرلمانية، أمله في استمرار الحوار بين اللبنانيين، لافتاً إلى ان جلسة الاثنين ستكون منطلقاً لاحراز تقدم في مناقشة جدول الأعمال، معرباً عن امله أيضاً في ان يبقى في تقدّم مطرد.
وكشف سليمان أن المشاركين في هيئة الحوار الوطني اجمعوا على أمرين اساسيين: اولهما تحييد لبنان عن انعكاسات الوضع في سوريا، وثانيها عدم إقامة منطقة عازلة قد تستعمل معبراً لتهريب الأسلحة والمسلحين اليها، موضحاً أن استقبال النازحين من سوريا إلى لبنان هو قرار انساني، وفور استتباب الأمور وعودتها إلى طبيعتها، سيعود هؤلاء إلى بيوتهم وأملاكهم وأرزاقهم.
وبحسب المعلومات الرسمية، فان البعثة أبدت تقديرها للدور الذي يقوم به المسؤولون، وفي مقدمهم الرئيس سليمان من اجل منع انعكاسات الاوضاع في المنطقة، ولا سيما منها الوضع في سوريا على الداخل اللبناني، والتقدير كذلك لإعادة إطلاق الحوار بين اللبنانيين الذي هو حاجة وضرورة في هذه الفترة.
وأشار الوزراء الثلاثة إلى التزام الاتحاد الأوروبي الحرص على سيادة لبنان وأمنه واستقراره، لافتين إلى استمرار الدعم والمساعدة للبنان في شتى المجالات وكذلك مساعدة الجيش اللبناني لتمكينه من مواصلة القيام بدوره في حفظ وحدة لبنان والسلم الأهلي فيه.
لقاء مصارحة.. ومصالحة
في غضون ذلك، سجلت أمس، خطوة إيجابية نحو إزالة غيمة الصيف التي شابت علاقة 14 آذار بالبطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، انتهت إلى التأكيد بأن العلاقة التي اهتزت قبل شهور بين مسيحيي 14 آذار وبكركي قد رمّمت وطويت صفحة الالتباس التي نجمت عن مواقف الراعي من سلاح حزب الله والأزمة في سوريا.
وأظهر اللقاء الذي جمع قيادات مسيحية يتقدمهم الرئيس الجميّل، والنواب بطرس حرب ودوري شمعون وستريدا جعجع، والوزيرة السابقة نايلة معوّض ومنسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار الدكتور فارس سعيد والنائب السابق كميل زيادة، مع البطريرك الراعي، على أن المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنطقة تستدعي استمرار التواصل مع سيّد بكركي، وطغت على أجواء اللقاء الذي دام حوالى الساعة ونصف الساعة، أجواء من الإيجابية، حيث أعلن فريق 14 آذار أنه في صدد إعداد ورقة توضح مواقفه من كل الملفات المطروحة سيتم رفعها الى الراعي ويتم تحديد مواعيد لاجتماعات مقبلة لاحقاً بعيداً من الإعلام.
وقالت مصادر المجتمعين إن البطريرك الراعي كان مستمعاً ومتفهماً لهواجس 14 آذار، حيال الوضع الحكومي وممارسات الحكومة، وسلاح حزب الله، والشأن السوري. وهو تحدث من موقعه كبطريرك يرفع شعار الشركة والمحبة، فشرح مواقفه، داعياً إلى إبقاء الخلافات في الداخل كي لا يستغلها البعض، مجدداً تأكيده على أنه على مسافة واحدة من الجميع، داعياً إلى عدم التخاطب عبر الإعلام، إذ أن أبواب بكركي مفتوحة.
وأوضحت المصادر أن هذا اللقاء ستتبعه لقاءات أخرى بعيداً عن الإعلام، قد يكون أولها اللقاء الذي سيجمع رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع بسيّد بكركي قريباً، فهو، بحسب ما قالت زوجته ستريدا "إبن الكنيسة ولن يخرج عن إطارها، وعلى هذا الأساس تم الاتفاق على البقاء على تواصل لتحديد موعد يجمع الرجلين".

