تبدو الدولة عاجزة أمام "طابور خامس" مجهول الهوية. وتخاف ان يدفعها الى هاوية المواجهات وهي في ذلك تتنكر لما قرره مجلس الوزراء في جلسة الاربعاء 30 ايار عندما "عرض قضية المياومين وجباة الاكراء في مؤسسة كهرباء لبنان واعتصامهم الذي تعدى حدود حرية التعبير السلمي المتعارف عليها واشغالهم بصورة غير شرعية مؤسسة كهرباء لبنان ودوائرها ومكاتبها. وان المجلس امام ظاهرة تنامي اقدام بعض الاشخاص على قطع الطرق الرئيسية لاي سبب كان، قرر التشدد في الامن وبسط سلطة الدولة بشكل حاسم ودائم واعادة هيبة الدولة على مساحة الوطن، وتوقيف من تسوّل له نفسه التطاول على القانون، وتطبيق اقصى العقوبات القانونية بحقه".
شربل
وقد صرّح وزير الداخلية والبلديات مروان شربل لـنا بأن الاجراءات الامنية المتخذة لمعالجة الاوضاع الطارئة "تنفّذ بدقة وحذر. وعملنا مستمر ليل نهار لمواجهة المستجدات. واذا كان هناك من تحرّك لاشخاص يريدون ان يعبّروا عن مطالبهم في شأن مخطوفين لهم في سوريا فإننا في المقابل نتواصل معهم بالتأكيد، واتصالاتنا مع السلطات التركية مستمرة حتى إعادة المخطوفين سالمين الى لبنان". واضاف "ان الاوضاع دقيقة ونخشى ان يكون ثمن فتح طريق بالقوة اقفلها محتجون على انقطاع التيار الكهربائي فادحاً وان تتطور الأمور الى مستويات لا نريدها، خصوصاً ان المتظاهر بحسن نية قد يتعرض لاستغلال من شخص سيئ النية لتحقيق مآرب".
وشدد على ان الجيش وقوى الامن تعمل بالسرعة المطلوبة لمواجهة الطوارئ الامنية. ووصف الوضع الامني يوم امس بانه "افضل مما كان في اليوم السابق وسيكون الغد (اليوم) افضل". وابدى تفاؤلاً بالمرحلة المقبلة التي تعد فيها الوزارة لانتخابات نيابية فرعية في الكورة. وأبرز "أهمية طاولة الحوار من دون شروط مسبقة من اجل حماية لبنان".
في المقابل، حذّر رئيس مجلس النواب نبيه بري عبرنا من وجود جهات داخلية في المخيمات الفلسطينية تعمل على تخريب الاوضاع، وهو ما قاربه العماد ميشال عون اذ رأى "ان الحوادث الامنية التي امتدت من الشمال الى الجنوب ليست مصادفة وهناك من يحركها لزرع القلق والفوضى في لبنان. المؤامرة الخارجية موجودة ولكن هناك مشاركة داخلية فيها". وقال "ان من يحرض العمال او الناس على اقفال الطرق هم من حجبوا المال عن مؤسسة كهرباء لبنان حتى تستكمل المشاريع".
وكان قائد الجيش العماد جان قهوجي قال ان الوقائع تثبت ان ما حصل ليس بريئاً وان هناك من يحرك الحوادث المتنقلة من منطقة الى اخرى.
وأبدت مصادر متابعة قلقها من الخطة المنظمة التي يعتمدها "الطابور الخامس" لتفجير الوضع في المخيمات على رغم ابلاغ القيادات الفلسطينية المسؤولين اللبنانيين بذل كل جهد ممكن لتثبيت الاستقرار.
في المحصلة فلتان أمني متنقل، واستهداف للجيش للحؤول دون قيامه بمهماته، وقد تمثل امس في ظهور مسلح في المخيمات (الصورة)، اضافة الى اعتداءات على حواجز عسكرية. واليها عودة نصب خيمة في ساحة النور في طرابلس على رغم اطلاق عدد من الموقوفين الاسلاميين، وقطع طرق احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي في اكثر المناطق، بدءاً من طريق المطار الى الحدت والشويفات، والجنوب في الطيبة ودير سريان، وعكار عند مفارق بلدات خريبة الجندي وحلبا والشيخ محمد والبيرة، وصولاً الى بعلبك. وحمل المتظاهرون الحكومة ووزير الطاقة جبران باسيل المسؤولية وطالبوه بالاستقالة فوراً.
المخيمات
وقد شهدت المخيمات في نهر البارد وعين الحلوة والرشيدية هدوءاً حذراً وتواصلت المعالجات لتطويق ذيول حوادث اليومين الاخيرين.
وأبلغنا "بري" ان "ما يحصل في المخيمات امر بالغ الخطورة ويدعو الى القلق في ظل التطورات التي نشهدها".
وحذر من "وجود جهات داخلية تعمل على تخريب الاوضاع"، مؤكداً ان "من غير المقبول المس بمعنويات الجيش ودور هذه المؤسسة الوطنية التي لم تبخل في حماية اللبنانيين والفلسطينيين من العدو الاسرائيلي".
وعلمت "النهار" ان النائب وليد جنبلاط قال لبري في اتصال ان "التحذيرات التي اطلقتها حيال المخيمات وسمعتها منك، كانت في محلها، فضلا عما ذكرته عن طاولة الحوار الاخيرة".
وشملت اتصالات بري ايضا رسائل وجهها الى قيادات فلسطينية ولبنانية بغية عدم توسيع نطاق الاحداث الى حدود المخيمات ومحيطها.
وحذر وزير الدفاع الوطني فايز غصن من "خطورة الاعتداء على مراكز الجيش"، معتبرا
انه "لا يصب اطلاقا في مصلحة الاشقاء الفلسطينيين، فالتعرض للجيش تعرض للشعب اللبناني، خصوصا ان لدى الجيش حصانة من دولته وشعبه ويحظى باجماع وطني وتأييد لدوره، ودعم لكل الخطوات التي يقوم بها، وهو ما اكده صراحة مجلس الوزراء وهيئة الحوار الوطني".
وأفادت مصادر في الجيش اللبناني ان هناك التزاما من الفصائل الفلسطينية في مخيم نهر البارد، لاعادة الهدوء الى المخيم وفتح الطرق التي فتحت فعلا فيما سير الجيش دورياته داخل المخيم.
وصرح امين سر القوى الاسلامية وعضو القيادة السياسية للجنة المتابعة في مخيم عين الحلوة الشيخ جمال الخطاب لـنا بان "ما حصل في مخيمي نهر البارد وعين الحلوة تعود اسبابه الى تداعيات الاحداث المؤلمة التي وقعت في مخيم نهر البارد قبل خمس اعوام". ودعا الى تخفيف الاجراءات المفروضة حول المخيمات وتفادي الصدام مع الجيش.
وقال عضو لجنة المتابعة وعضو قيادة "الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين" في عين الحلوة فؤاد عثمان لـ"النهار" ان "ما حصل قد انتهى"، مشيراً الى ان "بعض القوى اللبنانية تسعى الى زج المخيمات الفلسطينية في التجاذبات اللبنانية وموقفنا هو عدم الانزلاق ولا مصلحة لنا بتاتاً في المواجهة مع الجيش الوطني اللبناني. ونناشد قيادة الجيش معالجة اي وضع ناشئ بالحكمة والحوار".
وقال أحد مسؤولي الفصائل الفلسطينية في مخيم نهر البارد اركان بدر لـنا ان اتفاقا تم العمل عليه بين الفصائل والجيش اللبناني يتضمن البنود الاربعة الآتية:
1 – تشكيل لجنة تحقيق في مقتل احمد قاسم وفؤاد لوباني.
2 – رفع الحالة العسكرية عن المخيم.
3 – الغاء تصاريح الدخول الى المخيم.
4 – اطلاق 11 شخصاً اوقفوا أول من أمس اثر المواجهات.
واشار الى وعد من الجيش بانهاء العمل بتراخيص الدخول في نهاية شهر تموز.
الموقوفون الاسلاميون
وفي شأن آخر متصل، وفت الحكومة الوعد الذي قطعه رئيسها نجيب ميقاتي قبل نحو شهر بالتعجيل في محاكمة الموقوفين الاسلاميين المتهمين بحوادث نهر البادر، اذ تمت أمس تخلية 14 موقوفاً بكفالة مالية قيمتها 500 الف ليرة لكل منهم سددها الرئيس ميقاتي. ومن الذين اطلقوا 11 لبنانيا وفلسطينيان وسوري.
وكان بعض هؤلاء ينتمي الى تنظيم "فتح الاسلام"، لكن التحقيقات أظهرت ان ايا منهم لم تثبت مشاركته في قتال ضد الجيش.
وافادت مصادر قضائية لنا ان الـ14 امضوا المهلة القانونية التي راوحت بين اربع وخمس سنوات وقالت "ان هؤلاء لن يحكم عليهم باكثر من هذه المدة فيما لو صدر الحكم في هذه القضية".
واذ اشارت الى ان دفعة ثانية ستخلى في وقت لاحق، ذكرت ان عددها سيكون قليلا. وستكون الدفعة الاخيرة قبل اصدار القرار الاتهامي اواخر هذا الشهر او مطلع الشهر المقبل، اذذاك ينتهي عمل المحقق العدلي غسان عويدات في القضية وتنتقل صلاحيات النظر في الملف أو في طلبات التخلية الى هيئة المجلس العدلي. ويشار الى انه يبقى 86 موقوفاً في هذا الملف الذي بوشر التحقيق فيه عام 2007.

