المجــزرة

يهيمن على من يحدّق مطوّلاً في جثث أطفال ذُبحوا، إحساس مخدّر. يبدو الذهول وصفاً متقشفاً و«بخيلاً» لشعور الخَدَر ذاك. الأمر أكثر من ذلك. وهو أشد كثافة أيضاً. شيء شبيه برحيل من لا يبارح مكانه. وبابتعاد، غير متعمّد، ولكن مرغوب، عن اللحظة الحارّة.
ليس للمرء أن يحدّد عتبات الألم «الواقعي» التي له وعليه أن يتحمّلها. عتبات قد تصل إلى أقاصي حدود الألم الإنساني: «المُختبر». «المكرّر». «المعتاد». بعد تلك الحدود، ليس ثمّة إمكانيّة لابتكار قلب ينبض ألماً كي يتماهى مع ضحيّة هي، هنا، طفلٌ مذبوح!
بعد تلك الحدود، ثمّة برزخ ما، بين موت في الحياة لمن يَرى وحياة بعد الموت لمن يُرى. ثمّة عتبة مرتفعة، عصيّة على التكرار والاعتياد، ليس لأنّ بشراً قد لا يضطلعون بأمر تكرارها وإعادتها، بل لأنّ الانحياز لألم الحياة «الواقعي» يستبعدها عن كل ساحات الوعي… واللاوعي. كل ذلك «غرابة» مطلقة. كلّ ما حدث «لا ينتمي» إلى عالم ما زلنا نحيا فيه!
تلك «مجزرة» تحيل من يحدّق مطوّلاً في جثث ضحاياها إلى شيء شبيه بالشبح. يستجيب شيء ما في الروح إلى إحساس عال ومكثّف بالخجل الإنساني، فيصير المرء شبحاً. ينفي عن نفسه أيّة دلائل عن كونه حيّاً. يدحرج قلبه بعيداً عنه. ويلقى العقل مصير القلب نفسه؛ لست كائناً في عالم يستطيع أن يتداول أخباراً عن «مجزرة الأطفال».
يجري كلّ ذلك في برزخ الانفصال المرغوب. يحدث أن «تيأس» من كلّ شيء. من كلّ شيء تماماً. من «ثورتك» ربما. لن يغريك أحد بالصمود. وبالطبع، لن يغريك أحدٌ «بالتصدّي». لن يغريك أحد بـ«هي ويلا وما منركع إلاّ لله» أو بـ«لن نركع ما دام لنا طفلٌ يرضع»… بعد ذبح الأطفال!
تتكفّل اليوميات العاديّة، و«جبنك» الشخصي المحمود، في إعادتك إلى الواقع. لن تعود بلا ثمن: ستعلن مجدداً انتماءك إلى عالم قد يُذبح فيه أطفال.. مجدداً.
في طريق العودة تلك، ولأنّ الأمر أقوى منك، ولأنك فرد ضعيف في عالم قوي، ولأنّك تشعر بالخجل من عودتك، عليك أن تعيد النظر، من دون تحديق هذه المرّة، في صور الضحايا: تقرأ أسماءهم، ثمّ تحاول اكتشاف ألوان عيونهم. وعليك، بعد ذلك، أن تتهم طرفاً وتحمّله المسؤولية، وأن تطالب بقتله. ثمّ تسرح في مخيلتك وتتفنن في ابتكار وسائل تعذيب وقتل للقاتل. تصبح واقعيّاً جداً للمستوى الذي تبدو عنده قاتلاً. عودة محمودة!
ليس ثمّة أمل كبير في عودة كهذه. ليس ثمّة «حريّة» فيها. ستسجن نفسك مجدداً في إطار المُحتمل من الألم الواقعي. ستَقتل. ستُقتل. ويستمر مسارك الدائري: حياتنا. حياة هذا العالم.
حتى ذلك الوقت، إلى أن يحين اكتمال مسارك الفردي، حيث تصبح شبحاً حقيقيّاً في عدم حقيقيّ، سيكون عليك أن تفعل الكثير كي «تنسى» مجزرة الأطفال. النسيان الفعلي غير وارد، فهو مستبطن في وجودك ككائن بشري، كإنسان؛ سينقص هذا الذي فيك إنساناً. ولكن، يبقى عليك أن تخترع طرقاً كي تزعم النسيان: الوفاء لدمائهم والتضحيات هو الطريق الأقصر!
لن يرضيك، مطلقاً، أن تمحو آثار السكين عن الأعناق بالانسحاب من كلّ شيء. ثمّة، اليوم، ما هو أكبر منّك وأقوى منك يصنع حاجزاً بينك وبين تشاؤم تعتبره خيانة وإحباطا تعتبره خطيئة. ثمّة ثوّرة!

السابق
ندوات عن الجراحة الفموية في اللبنانية
التالي
ارسلان: للمشاركة الفاعلة في الحوار