توسع التوتر الامني من حرق الاطارات الى تجدد الرشقات بين باب التبانة وجبل محسن في طرابلس، الى التجمعات الاحتقانية في غير منطقة، ليحدث شرخاً متمادياً بين القوى السياسية والكتل النيابية والحكومة، لا سيما بين رئيس الحكومة ونواب بيروت، اذ اصدر الرئيس نجيب ميقاتي بياناً اتهم فيه المعارضة "باللجوء الى المواقف العبثية والمجانية والمزايدات والازدواجية"، متهماً بعض اعضاء كتلة "المستقبل" باللجوء الى الشتائم وتعكير كل المساعي الايجابية وافشالها، رافضاً مطلب استقالة الحكومة الذي اعلنه النواب، الامر الذي حوّل الوضع في لبنان الى دائرة الاهتمام الدولي، فأعرب الامين العام للامم المتحدة بان كي مون عن قلقه من تزايد العنف في لبنان، ملتقياً بذلك مع موقف لواشنطن وموسكو اللتين عبرتا عبر وزارة الخارجية في العاصمتين عن قلقهما من العنف وخوفها من محاولات زعزعة الاستقرار.
فقد اعرب المتحدث باسم الخارجية الاميركي مارك تونر عن القلق بشأن الوضع الامني بعد مقتل الشيخ احمد عبد الواحد ومرافقه، مرحباً بالتزام الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني تحقيق شفاف ودقيق، داعياً جميع الاطراف الى ضبط النفس واحترام امن واستقرار لبنان.
ولاحظت الخارجية الروسية ان القوى التي لم تتمكن من تحقيق مخططاتها لزعزعة الاستقرار في سوريا وجهت أنظارها الى لبنان المجاور.
ودعت الوزارة الساسة اللبنانيين إلى ضبط النفس وابداء درجة عالية من المسؤولية الوطنية في هذه اللحظة الصعبة بالنسبة إلى البلاد والمنطقة، وأن لا يسير اللبنانيون في ركاب هؤلاء الذين يودون أن يزرعوا بذور العداء الطائفي والفتنة في أرضهم مشيرة إلى انها تعول على أن تتخذ الحكومة واجهزة الأمن اللبنانية القوة وأن تتمسك بالقانون وكافة الاجراءات لاستعادة الهدوء.
في هذا الوقت، وعشية مجلس الوزراء غداً، لملمت بيروت جراحات الطريق الجديدة ليل أمس الأوّل وعضت عكار على جرحها، فدفنت مشروع الفتنة مع الشهيدين الشيخ عبد الواحد ومرافقه مرعب، فيما كان علماء المنطقة يطالبون القوى الأمنية ببسط سيطرتها وفرض الأمن متمسكين بالوحدة الوطنية التي أكّد عليها مجلس المفتين والمجلس الشرعي الاسلامي الأعلى في حضور الرئيس ميقاتي، وطالب في الوقت نفسه باحالة الجريمة إلى المجلس العدلي، وهو الأمر الذي يفترض أن يتقرر في مجلس الوزراء غداً، رغم أن الرئيس ميقاتي، لم يكن موافقاً على هذه الفقرة من بيان دار الفتوى، على اعتبار ان هذا الأمر مرتبط بنتائج التحقيقات التي يجريها القضاء العسكري مع لجنة تحقيق خاصة من الجيش.
اجتماع دار الفتوى
ونفت مصادر رئيس الحكومة أن يكون قد انسحب من اجتماع دار الفتوى، مشيرة إلى انه اضطر إلى ترك الاجتماع لارتباطه بموعد مع سفير الكويت الذي كان يعول عليه بعد الموقف الذي اتخذته دولته بالانضمام إلى دول الخليج وقطر والبحرين والإمارات في نصح رعاياها بعدم المجيء إلى لبنان، مما يؤشر إلى ضغط خليجي قوي من شأنه أن ينعكس سلباً على الحركة السياحية في البلد.
ولاحظت المصادر أن اجتماع دار الفتوى استمر بعد مغادرة ميقاتي قرابة ساعتين أخريين، الأمر الذي أشار إلى أن مداولات المجلس الشرعي ومجلس المفتين كانت صاخبة نتيجة الخلافات، ولا سيما على البندين الثالث والرابع من البيان اللذين يتصلان برفض الرسالة السورية الى مجلس الأمن، وإحالة قضية اغتيال الشيخين عبد الواحد ومرعب إلى المجلس العدلي.
وكشفت بأن الرئيس ميقاتي غادر الاجتماع فيما كان مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني يخوض نقاشاً حاداً مع الرئيس فؤاد السنيورة الذي غاب عن الاجتماع، حول مضمون البيان، إلا أن الرئيس السنيورة، بحسب ما أوضح مكتبه، وافق على البيان بعد أن عاد المجتمعون وضمّنوا في بيانهم البندين الثالث والرابع، مشيراً إلى أن مقاطعة الاجتماع كانت بسبب عدم التطرق إلى بعض المواضيع التي كانت مغيّبة في مسودة البيان، وليس بسبب اشتراطه إقالة قائد الجيش، بحسب ما ذكرت بعض المواقع الالكترونية.
وسجل أيضاً على هامش الاجتماع، انسحاب الرئيس سليم الحص منه قبل أن يبدأ، لأن المفتي قباني تركه ينتظر وحيداً في بهو دار الفتوى، بينما كان يعقد خلوة في مكتبه مع الرئيس ميقاتي، وانتظر الرئيس الحص اكثر من نصف ساعة، ثم اضطر للخروج والعودة إلى منزله احتجاجاً على الاهمال بحقه.
وقالت اوساط متابعة ان البيان الختامي للاجتماع شهد سلسلة تعديلات، بعدما كان المفتي وزع مسودة على رؤساء الحكومة السابقين للاطلاع عليها ومنها التعديلات التي طلبها الرئيس السنيورة، ما دفع المفتي إلى نفض يده من البيان قائلاً للجنة الصياغة: "انا لا علاقة لي بالبيان انتم قوموا بصياغته واعلنوه".
ومهما كان من أمر فإن البيان حمل مواقف وعبارات قوية، اذ اعتبر حادث الكويخات بأنه اكبر من حادث بل هو جريمة اغتيال موصوفة، بل هو للفتنة بعينها، وعلى المسؤولين ان يتحملوا تبعات ما حصل وما قد يحصل مستقبلاً، مشددا على ان "السلطة السياسية مدعوة لمواصلة تحمل مسؤولياتها كاملة تجاه ما جرى ويجري، سواء في مدينة طرابلس او في عكار، داعياً الاجهزة الامنية على ان تعمل تحت اشراف السلطة السياسية المسؤولة دستورياً عن الامن في البلاد والتي يجب ان تحاسب وتضبط الخلل الذي يبدو انه استفحل.
التشييع
واذا كان بيان دار الفتوى، خلا من اشارة صريحة إلى مسؤولية اغتيال الشيخ عبد الواحد، باستثناء اشارته إلى ان تكون الاجهزة الامنية تحت اشراف السلطة السياسية والمطالبة بإحالة الجريمة على المجلس العدلي، فان تشييع الشيخ عبد الواحد ورفيقه الشيخ محمّد مرعب، أمس في بلدتهما البيرة في عكار، حمل مواقف أكثر عنفاً من الخطباء، ولا سيما من قبل النائب خالد الضاهر الذي طالب باعدام القتلة من أجل وأد الفتنة، فيما كان ازيز الرصاص يلعلع في البلدات التي مر فيها جثمانا الشهيدين من المستشفى في حلبا إلى البيرة، على امتداد 25 كيلومتراً حيث توقفا في محطات عديدة قبل أن يصلا إلى مسجد البلدة حيث نصب سرادق لاستقبال حشود المشاركين في التشييع، وفي مقدمهم الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري ممثلاً الرئيس سعد الحريري الى جانب ممثلين عن الرؤساء امين الجميل والسنيورة، مع نواب عكار، ووفود شعبية من كافة مناطق عكار والشمال ضاقت بهم ارجاء باحات المسجد.
واللافت في كلمات الخطباء قبل دفن الجثمانين، كان التصعيد في الكلام، إذ امهل شقيق الشيخ عبدالواحد قائد الجيش اسبوعاً لمعاقبة القتلة وإعدامهم، فيما دان النائب خالد الضاهر الجريمة النكراء مكرراً المطالبة بمعاقبة القتلة وصولاً إلى اعدامهم، مؤكداً أن الجيش هو جيشنا وغالبية افراده هم من عكار، لكنه لاحظ أن بعض افراده يعملون بإمرة قوى الثامن من آذار ويخدمون أعداء الوطن في حين كانت للحريري كلمة موجزة دعا فيها أهل عكار إلى ضبط النفس، جازماً بأن عكار هي جزء لا يتجزأ من لبنان، وجزء لا يتجزأ من بيروت.
اما مفتي عكار الشيخ اسامة الرفاعي، فقد شدّد على أن دماء الشهداء أمانة في أعناق المسؤولين وقائد الجيش، لافتاً إلى أن الجيش الذي احتضناه قتل شيوخنا، مطالباً بتحقيق سريع وعادل، داعياً الأهالي إلى الهدوء حتى نحصل على حقوق الشهداء.
ومع أن التشييع انتهى بسلام، الا ان طرقات عكار عادت لتنقطع من جديد من قبل المؤيدين للشيخ الشهيد ورفيقه، انطلاقاً من منطقة العبدة، وصولاً إلى مناطق أخرى بعيدة في البقاع والناعمة، فيما بقي الحذر يسيطر على احياء العاصمة، بعد التوتر والاشتباكات التي شهدتها منطقة الطريق الجديدة، والتي نجم عنها سقوط قتيلين وإصابة نحو 20 شخصاً بجروح، وانتهت بإحراق مكتب رئيس حزب "التيار العربي" شاكر البرجاوي الذي تمكن من الخروج فجراً في سيّارة "رانج روفر" سوداء الى منزله في عرمون، حيث اتهم من هناك 600 مسلح من تيار المستقبل وجمعيات إسلامية ومعارضين سوريين وفلسطينيين من اتباع "ابو عمار" بمهاجمة مكتبه، نافياً ان يكون قد خرج من الطريق الجديدة بمساعدة مجموعة من "حزب الله".
وشوهدت ليلاً دوريات من الجيش وقوى الأمن تجوب شوارع العاصمة، ولا سيما كورنيش المزرعة، حيث ترددت معلومات عن انتشار مسلح على اثر شائعات عن عزم البرجاوي العودة إلى المنطقة.
نواب بيروت
تجدر الإشارة إلى أن نواب بيروت عقدوا اجتماعاً استثنائياً أمس في "بيت الوسط" وجه خلاله الرئيس الحريري كلمة إلى المجتمعين عبر "سكايب" اعتبر فيها أن ما جرى في العاصمة كما في طرابلس وعكار محاولة لجر لبنان إلى مشكلة مستوردة من وراء الحدود، مؤكداً أن مواجهة هذه المحاولة تقتضي منا جميعاً الصلابة السياسية والحكمة ميدانياً.
وأصدر المجتمعون بياناً تلاه النائب نهاد المشنوق استنكروا فيه بشدة ما تعرّضت له منطقة الطريق الجديدة من أعمال عسكرية من قبل أشخاص مرتبطين بالنظام السوري، لتعريض أمن العاصمة للخطر وترويع أهلها، وحمّلوا حكومة الرئيس ميقاتي المسؤولية الكاملة عن كل ما تعرّضت له الطريق الجديدة من محاولات لإشعال الفتنة، كونها غابت عن القيام بمسؤولياتها الحكومية، وطالبوا باستقالته بعدما تحوّلت حكومته إلى حكومة تسهيل عودة الحرب الأهلية إلى لبنان.

