اتجه المشهد السياسي الداخلي في لبنان نحو مزيد من الجمود والإرباك في ظلّ طغيان عامليْن متلازميْن تمثلا في ردود الفعل على المهرجان الذي أقامته قوى 14 آذار في ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري واستمرار الأزمة الحكومية على مراوحتها من دون أي أفق ملموس للتوصل الى حلّ يضع حداً لها.
وبدا واضحاً ان غرق القوى السياسية في هذه المراوحة أتاح للبنان الحكم والحكومة ان يَنْفذ بأقل ضوضاء ممكنة من استحقاق التمديد للمحكمة الخاصة بلبنان الذي مر «اللاجواب الرسمي» عليه بصيغة «اخذ العلم» باعتزام الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون التمديد ثلاث سنوات للمحكمة، من دون ان يقدّم لبنان اي ملاحظات على الرسالة التي كان بعث بها بان الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان في هذا الصدد بل اكتفى الاخير بالاتفاق مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على صيغة «اخذ العلم» بالرسالة ما يعني عملياً بأن السكوت «علامة الرضا».
وبات في حكم المؤكد ان هذه الخطوة أزاحت ثقلاً من طريق الاستحقاقات المتراكمة امام الحكومة، ولكن من دون ان يعني ذلك ان ما يواجهها من تعثر وإرباكات اخرى ستكون قابلة للتذليل بسهولة. ذلك ان الاوساط المتتبعة لمجريات الوضع السياسي والحكومي لا تخفي قلقها من تصاعد حدة الاستقطابات في المرحلة المقبلة نظراً الى مجموعة تطورات تكوّنت في الايام الاخيرة ورسمت اطاراً اشد تعقيداً للمنحى الذي يسلكه الوضع اللبناني عموماً.
وتقول هذه الأوساط لـ «الراي» ان اندفاع قوى 14 آذار الى اعلان ما يشبه التحالف الواضح مع المعارضة السورية، لم يكن تطوراً عادياً في سياق التطورات العربية والدولية المتصلة بالازمة السورية، بل جاء بمثابة اتصال لنصف لبنان على الاقل تمثله هذه القوى بمعسكر عربي ودولي عريض، ولم يكن الامر على الصورة التي حاولت قوى 8 آذار وخصوم قوى 14 آذار تصويرها في محاولة لتقزيمها او لمجرد اتهامها بالتورط في الازمة السورية. لكن المصادر نفسها تعتقد ان حلفاء النظام السوري في لبنان سيستفيدون من هذه الفرصة للمضي أبعد في دفاعهم عن النظام السوري واتباع سياسات اكثر التصاقاً به انطلاقاً من قناعة لا يخفونها حيال استقواء النظام بالحسم العسكري والموقفين الروسي والصيني وطرح الدستور الجديد على الاستفتاء. وتعتقد الاوساط ان ما سيشهده لبنان في المرحلة المقبلة سيكون نوعاً من تجاذب حاد بين حسابات شديدة التناقض والحدة حول مصير النظام السوري من شأنها ان ترفع وتيرة الحماوة السياسية بين فريقي 14 آذار و8 آذار خصوصاً مع طرح عناوين كبرى حيال الوضع الداخلي. وقد لفت الاوساط في هذا السياق ان الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، الذي توجّه امس الى تركيا، ذهب ابعد من المشهد المباشر الذي خلفته اصداء مهرجان قوى 14 آذار حين اعلن ان «الطائف انتهى، ونحن بحاجة الى طائف جديد» أعطاه صفة مذهبية حصرية اساسية هي صفة الطائف السني – الشيعي.
ولاحظت هذه الأوساط ان جنبلاط الذي لم يُخف انتقادات لقوى المعارضة اللبنانية، تفوّق عليها حين وجّه سهامه الى النظام السوري منادياً برحيله رغم «ان مصالح روسيا والصين تقضي بان لا تسوية الا مع الاسد»، وهازئاً من «معجزة اصدار دستور جديد والغاء المادة 8»، ولكنه في الوقت نفسه بدا راغباً في لجم اندفاعة قوى 14 آذار في المنحى الداخلي لجهة الكلام عن سلاح «حزب الله»، وهو ما يعكس ثباته على المعادلة التي اختطها بعد الازمة السورية حيث انفصل عن النظام السوري وحيّد علاقته مع الحزب عن هذا النظام.
وتضيف الاوساط نفسها ان خروج المشهد اللبناني الى هذا المستوى من الاستقطاب السياسي جعل الازمة الحكومية بمثابة تفصيل اقل اهمية رغم خطورة التراكمات المعيشية والخدماتية والاقتصادية التي تزداد حدة مع تعليق جلسات مجلس الوزراء. ولم تعد هذه الازمة نتاج خلافات بين قوى حكومية على ملفات التعيينات والاجور وحتى الاصول الدستورية والقانونية فحسب، بل تداخلت فيها الحسابات السياسية الكبيرة التي تعود لكل من قواها بازاء الصراع الداخلي المقبل على مرحلة شديدة الغموض والحذر نتيجة تأثُّر لبنان بقوة برياح الازمة السورية وما تلفح به الوسط السياسي فيه من تموجات حارة. وهو امر يستدعي تقويماً مختلفاً للمرحلة المقبلة قد يحتاج الى انتظار اسابيع قليلة لمعرفة طبيعة التسوية التي سيجري على اساسها تعويم الحكومة واعادة انعاشها لان هذه العملية ستكون اشبه باعادة تموضع لحلفاء النظام السوري خصوصاً، سواء حيال حلفائهم داخل الحكومة او تجاه خصومهم المعارضين.
وكان «الإخراج» لـ «الموافقة الضمنية» على التمديد للمحكمة الدولية ابتداء من الاول من مارس تم من خلال استقبال الرئيس سليمان كلاً من وزيري الخارجية عدنان منصور والعدل شكيب قرطباوي لاطلاعهما على مضمون الكتاب الوارد اليه من الامين العام للأمم المتحدة، والذي يؤكد فيه عزمه على التمديد لعمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والقضاة الملحقين بها مدة 3 سنوات. ووفق بيان صدر عن المكتب الإعلامي في القصر الجمهوري تم «أخذ العلم» بذلك، «نتيجة الاتفاق مع رئيس الحكومة «كون المسألة محصورة بموضوع مدة التمديد»، علماً ان هذا الموقف صدر في اليوم الاخير من المهلة التي تمنى فيها بان في رسالته الى رئيس الجمهورية تلقي «ملاحظاته» على اعتزامه التمديد للمحكمة.
وسط هذا المناخ، شنّ رئيسا الجمهورية والحكومة «هجوماً دفاعياً» على زعيم «التيار الوطني الحر» النائب العماد ميشال عون على خلفية الأزمة الحكومية ورفض وزير العمل شربل نحاس توقيع مرسوم بدل النقل وعقدة التعيينات المسيحية، اذ اعلن سليمان أنه «لا يجوز ترك موضوع بدل النقل للعمال من دون حل»، داعيا الى «احترام قرار مجلس الوزراء»، وموضحاً أنه «لا يجوز حرمان أي مواطن حقه في التعيين في الادارة بسبب رأيه او انتمائه، بل يقتضي تطبيق آلية التعيينات»، آملاً «أن تتم العودة الى الاصول لإنهاء هذا الوضع الشاذ».
بدوره، أكد ميقاتي غامزاً من قناة عون «ان الشراكة الوطنية الحقيقية لا تكون بالرفض والفرض أو الإثنين معا»، ومشدداً على أن «من غير المقبول ان يعتبر بعضنا انه يختصر في شخصه وتياره سائر شركاء الوطن وانه يحمل عنهم وكالة يتصرف بها حيثما يشاء وكيفما يشاء»، ومضيفاً: «ما حصل في الأيام الماضية على الصعيد الحكومي ليس تهربا من المسؤولية بل حماية للمؤسسات الدستورية التي يجب ان تبقى فوق المناكفات والخلافات».

