الثورة السورية على حدّ السيف

ليست هذه هي المرة الأولى التي تنتصب فيها سوريا الحبيبة والمناضلة على حدّ السيف. فقد كانت دمشقُ كذلك عندما انطلقت لفتح الأندلس، وكانت كذلك عندما تصدّت لبيزنطة والصليبيين، وكانت كذلك في الأزمنة الحديثة عندما خاضت غمار الثورة من أجل الاستقلال والوحدة في عشرينات القرن العشرين، وكانت كذلك عندما جرى التصارُع عليها بين الخمسينات والستينات من القرن العشرين، فكتب عنها باتريك سيل كتابه الشهير: «الصراع على سوريا». وها هي اليوم تقف على مفترق طُرُق، فشعبُها يريد تغيير النظام، والأسد ونظامُهُ يقولان: إمّا نحن أو تزول سوريا!
لقد كان الأمن السوري ينتقص من «عروبة اللبنانيين» والعرب الآخرين بحجة أنهم لا يملكون طهورية البعث العظيم، فلمّا اجتمع العرب في السعي على إيقاف القتل في سوريا، إذا ببشار الأسد يصرخ بالخروج من العروبة. وهذا هو الشأن نفسه مع مسألة المقاومة والممانعة، وهما مصطلحان غامضان، ليس المقصود بهما تحرير الأرض أو حتّى الصمود في وجه إسرائيل والولايات المتحدة، والدليل على ذلك بقاء الأرض محتلة، وبقاء الحدود مع إسرائيل هادئة على مدى أكثر من أربعة عقود. إنّ المقصود من وراء ذلك كلّه النظر في أُطروحة الفرادة والطهورية التي يلبس النظام السوري لَبوسَها، والعمل عليها بطريقةٍ واقعيةٍ لكي نستطيع مُراقبة وفهم سلوك ذاك النظام في الزمن الحاضر، والذي ينطوي بل يُصرُّ على أنه لا عروبة ولا سوريا من دونه!
جاء وزير الخارجية الروسي (ومعه مدير المخابرات في بلده) إلى دمشق، بعد «الانتصار» الذي حقّقه لنفسه وللنظام في مجلس الأمن، ولديه ثلاث أطروحات: ضرورة إنهاء انتفاضة الشعب السوري على نظامه بالقوة، ومدير المخابرات كفيلٌ بالإرشاد إلى ذلك والتمكين منه كما حصل عام 1982، والأُطروحة الثانية: التنسيق مع إيران وحزب الله بطريقةٍ أفضل، والأُطروحة الثالثة: الإيهام بالمُضي في تحقيق «الإصلاح» والإيهام بالسير في المبادرة العربية من أجل ذلك. وهكذا فإنّ تلك الخيمة المركّبة التي يستظلُّ بها النظام، والتي تنتشر أعمدتُها في المنطقة والعالم، مرجُوٌّ لها أن تستمرّ كما قامت عبر خمسين عاما: عمود في لبنان، وعمود في فلسطين، وعمود في العراق، وعمود في إسرائيل، وعمود في إيران، وعمود في تركيا، وعمود في السعودية والخليج، وعمود في روسيا.
وقد استطاع الشعب السوري خلال عام 2011 وبالدم والدمع والنضال أن يقطع أكثر تلك الحبال والأعمدة وما بقي غير العمودَين الإيراني والروسي. بل إنّ أكثر الذين كانوا معه أو كانوا مسلِّمين به تحوَّلوا إلى خصومٍ له بسبب قتله لشعبه، وفي طليعة أولئك دول الخليج التي قطعت العلاقات به وسحبت سفراءها وطردت سُفَراءه، وأحسب أنَّ معظم الدول العربية سوف تفعلُ ذلك.
ويحاول العرب وقادة الانتفاضة السورية أن يفهموا أسباب التطرُّف الروسي وهم يذهبون في ذلك مذاهب شتّى: لماذا بقي العمود الروسي؟ هل كان ذلك لأسبابٍ مبدئية؟ أم هو لأسبابٍ عملية؟ ولا مبدئيات في سياسات الدول، وإنما يقول الروس إنهم في صراعٍ مع الولايات المتحدة، وهم يستخدمون الملفَّ السوريَّ، للحصول على تنازُلات من الأميركيين في مسائل أُخرى تُهمُّهم في أوروبا وآسيا الوسطى والقوقاز وتركيا. وهناك من يقول إنّ الموقف الروسي علتُه أنه لم يعد لهم نفوذٌ في منطقة البحر المتوسط إلاّ في سوريا من خلال القاعدة البحرية في طرطوس، ومن خلال مشتريات الأسلحة من جانب النظام السوري. والذي أراه أنّ الموقف الروسي لم تعد له قيمة إلاّ من الناحية الشكلية. إذ إنه بعد نهاية الحرب الباردة، صار المتعارف عليه أن يجري التوافُقُ في مجلس الأمن في القضايا الكبرى، والأُخرى المتعلقة بسيادة الدول. لكنّ الأميركيين والروس على حدٍ سواء تجاوزوا هذه الشكلية في عدة مناسباتٍ: الأميركيون تجاوزوها في العراق وفي كوسوفو، والروس في جورجيا وأبخازيا. ثم إنّ مشروع القرار العربي المقدَّم إلى مجلس الأمن – لو كان الروس يريدون التعاوُن مع العرب بالفعل – لا يُهدّد النظام السوري بالتدخل العسكري، وإنما ينشئُ آليةً لكي يعود التغيير إلى أكثرية الشعب السوري من طريق صناديق الاقتراع والانتخابات الحرة، وليس من طريق سلاح كتائب الأسد أو سلاح الجيش السوري الحرّ. ولذا ما عادت لهذا الأمر أهمية، وعلى الذين يريدون مساعدة الشعب السوري أن ينصرفوا لتنظيم وسائل تضامُنهم تحت السقف العربي وحسْب.
قبل أن يهتدي المثقفون أو السياسيون العرب إلى اسمٍ أو عنوانٍ للانتفاضات الشبابية العربية، أطلق المراقبون الأجانب عليها اسما جامعا هو الربيع العربي. وهذا هو المعنى العميق لما سميتُه وسمّاه غيري: حركات التغيير الشبابية في الوطن العربي. ولهذا الأمر الجليل معنيان اثنان: استعادة إدارة الشأن العام من العسكريين والأمنيين الذين اضطهدوا الناس، وضيّعوا المصالح الوطنية والقومية، وإعادة الملاءة الاستراتيجية إلى المجال العربي، والتي ضيّعها العسكريون والأمنيون بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970. وهذان الأمران، أي الديمقراطية والملاءة الاستراتيجية شارك في التآمُر عليهما وتصفيتهما العسكريون والأمنيون، والسياسات الدولية، والحركات الإسلامية – التي حلّت محلَّ الأنظمة في مصارعة إسرائيل، ومعارضة الأنظمة بالداخل- والمثقفون العرب.
وبالطبع فإنّ الأطراف المذكورة لا تتحمَّل الأقدارَ نفسها من المسؤولية، وإنما يتحمل المسؤولية الأكبر: العسكريون العرب، والولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل. ومسؤولية الولايات المتحدة لا تقتصر على غزو العراق ونُصرة إسرائيل، بل تتعدى ذلك إلى «توظيف» سائر الحكّام في مهماتٍ مقابل تأييد بقائهم. أمّا الإسلاميون فإنّ مشكلة الأمة العربية معهم أنهم عبروا زمانا وهم يعتبرون أنّ القضية مع الأميركيين والإسرائيليين والحكام العسكريين هي قضيةٌ دينيةٌ، وليست قوميةً أو مدنيةً أو تتعلق بحقوق الإنسان والشعوب. وها هم أو بعضهم يصلون بأصوات الناس إلى البرلمانات والحكومات بعد الثورات، فيتلهَّى كثيرٌ منهم بفرض الشكليات الدينية، وهي الشكليات التي كان يحبها العسكريون والأمنيون ويُبرزونها أمام الأجانب تسويغا لاستمرارهم في السلطة. وأمّا المثقفون العرب فإنّ البارزين من بينهم – بل وغير البارزين – وبسبب ضلال الوعي أو خَوَر العزيمة وحُبّ السهولة أو الأمرين معا، انصرفوا خلال خمسة عقود لمهاجمة الإسلام باعتباره عِلّةً في الانسداد والتخلُّف الحاضر في الوعي والممارسة، أو انصرفوا إلى مطالبة العسكريين والأمنيين بالإصلاح والديمقراطية(!) باعتبارهم على أي حالٍ أفضل من الإسلاميين.
ما المقصود من هذا الاستطراد في شأن الربيع العربي ومعانيه بالنظر للمرحلة المنقضية؟ المقصود القول إنّ الثورة السورية – شأنها في ذلك شأن الثورة اليمنية – هي على حدّ السيف، لأنها تقع – أو لأنهما تقعان – في قلب الربيع العربي أو في قلب معناه الأصيل والباقي: الديمقراطية والملاءة الاستراتيجية. إنها تريد استعادة إدارة الشأن العامّ، لكي يحكم الشعب السوري نفسه، فيعمل على صَون المصالح الوطنية ويعمل على التقدم، كما أنها في الوقت نفسه تريد أن تُخرج سوريا والمنطقة من شباك التحالُفات والتوظيفات التي كانت دائما ضد العرب، وضدّ وحدة مجتمعاتنا ودولنا. فما الذي جنته سوريا أيام الأسد من مُهادنة إسرائيل إلى هذا الحدّ؟ وما الذي جنته من جمع المعارضين الإسلاميين والقوميين والمساومة عليهم مع الولايات المتحدة؟ وما الذي جناه العرب من وراء تمكين إيران من اختراق مجتمعاتنا، وإدخال إيران وتركيا والولايات المتحدة علينا بهذه الطريقة؟!
إنّ إزالة النظام السوري الحالي وإزالة آثاره وسياساته هي مهمةٌ قوميةٌ عربيةٌ وإسلامية، ولا يمكن من دونها إقامة النظام العربي الجديد. ولذلك يكون علينا جميعا أن نتضامن مع الثورة السورية لكي لا يبقى المشرق العربي رهينةً وعلى حدّ السيف!

  

السابق
حرية التعبير ومسؤولية الكلمة
التالي
صدم مواطن على اوتوستراد الطيونة

اترك تعليقاً