حضانات الاطفال بعيداً عن الأهل؟

«بينما كنت أبدّل ملابس ابنتي ريم لتخلد إلى النوم، استرعى انتباهي «قَرصتان» في أحد فخذيها، فراجعت إدارة دار الحضانة، وعلى رغم نفي المديرة أن تكون ريم تعرّضت لأيّ سوء معاملة، ظهرت «قَرصتان» أخريان على فخذ آخر، ما أشعل غضبي. وفي صباح اليوم التالي طالبت الإدارة بإعادة ما التقطته الكاميرات، بما أنّ «المكان مراقب» كما هو معلّق على الجدران، ولكن بعد مماطلتهم تبيّن لي أن لا وجود فعليّاً لأيّ عدسة، «فالكاميرات يا مدام ما ركبت بعد!»…

تتعدّد شكاوى الأهالي، وتتفاوت الفاتورة التي يدفعها صغارهم من لحمهم الحَي، بالتزامن مع الطفرة التي تشهدها دور الحضانة المخالفة للأحكام القانونيّة، وغير المرخّص لها في لبنان. فمنهم من "يُقرَص" سرّاً إذ انزعجت المربّية من صراخه، وآخرون ينامون بعدما غلبهم البكاء وفقدوا الأمل في أن يستجيب أحدهم لنداءاتهم، ومنهم من يبوّلون ولا تبدّل ملابسهم إلّا قبل دقائق من موعد عودة الأهالي…

"كِترتُن مِتل قِلِّتُن"، بهذه العبارة تختصر الوالدة سهام تجربة تقصّيها عن دار الحضانة الأفضل لابنتها، بعدما سمعت ورأت ما يشيّب شعر الرأس. فتخبر بحرقة قلب: "لم يعد أصحاب دور الحضانة يتنافسون على تقديم الخدمة العالية، إنّما يتسابقون على طلب الأقساط الغالية لكَسب ثقة الأهالي وإيهامهم أنّهم يقدّمون ما هو أفضل". وتضيف: "نقَّلتُ ابنتي بين عدد من دور الحضانة بعدما ضِقت ذرعا، ففي إحدى المرّات أتيت لاصطحابها باكرا من الحضانة، فوصلت على بغتة لأسمع صراخها يملأ الدار، بينما كلّ المربّيات منشغلات، لأكتشف أنّ الإدارة استقبلت عدداً من الأطفال يفوق طاقتها، وسرّحت عدداً من موظفيها".

من جهتها، تعتبر الوالدة ميساء أنّها عملت عين الصواب بعدما اختارت دار حضانة يتيح لها مشاهدة طفلها طوال الوقت "online"، بفضل كاميرات موصولة على شبكة الإنترنت، فتقول: "لكلّ خدمة سعرها الخاص، إلّا أنّ مراقبتي لابني طوال النهار تطمئن بالي في ظلّ تنامي الحوادث في دور الحضانة، وإفراط المسؤولين بالأمانة التي نودعهم إيّاها". وعلى رغم اعتقادها بأنّها اشترت راحة بالها، لا تنكر ميساء أنّها تبقى متشنّجة، لا سيّما إذا بطئت الانترنت، فلا تجد من حلّ سوى الاتّصال والاستفسار. وهي تؤكّد في هذا السياق، أنّ بعض المربّيات قد ينسَين أحيانا وجود الكاميرات، فتقول: "ذات مرّة وبينما كنت أراقب الأولاد وهم ينامون، غرقت المربّية في سبات عميق ولم تستيقظ إلّا بعدما انفجر أكثر من ولد في البكاء".

قد يصف البعض موقف الأهل "بالحسّاس" بما أنّ المسألة تمسّ فلذة أكبادهم، فهم يغالون ولكن سرعان ما يتأكّدون أنّ "ما من دخان من دون نار"، حين يطفح كيل المربّيات من تجاوزات زملائهنّ. فتخبر رلى إحدى العاملات في دار الحضانة في سنّ الفيل، عن انزعاجها من لجوء زميلتها إلى ضرب طفلة بعدما أخرجتها إلى غرفة غير مراقبة. أمّا كريستين فلا تنسى كيف عمدت زميلتها إلى إطعام أحد الأولاد غداءَه البارد، "بما أنّها منشغلة بالدردشة على هاتفها".

ملامح أمراض نفسيّة…

من جهتها، تحذّر المعالجة النفسيّة منال زريقا من التداعيات والآثار النفسيّة التي يمكن أن تتركها الحضانة في نفس الطفل، إذا لم يكن خيار الأهل صائباً، فتقول: "تشكّل الطفولة المبكّرة مرحلة أساسيّة في حياة المرء، وعلى أساسها ينطلق في الحياة، صحيح أنّ الأمراض النفسيّة والعقد لا تظهر على نحو حادّ، إلّا أنّ ملامحها تبدأ ترتسم بحسب المعاملة التي يتلقّاها الطفل، فمنهم من يميل إلى العدوانيّة، أو الكآبة، أو الانطواء، أو تجاهل وجود الآخرين…"

على رغم علمها أنّ اللجوء إلى دور الحضانة "لم يعد من الكماليّات، بل حاجة ملحّة بالتزامن مع اضطرار الوالدين للعمل"، تنصح زريقا الأهل بعدم الاستعانة بدور الحضانة قبل أن يبلغ ولدهم عمر السنتين، فيترعرع في كنف العائلة الدافئ، ويتنعّم بأكبر قسط من الحنان". وتضيف: "كما أنّ ذلك من شأنه أن يعزّز المناعة الصحّية لديه، ويقلّص نسبة التقاطه الأمراض والأوبئة، ولا سيّما أنّ مطابخ دور الحضانة بمعظمها يكتنفها الكثير من الغموض، فمن يديرها؟ وفي أيّ ظروف يتمّ الطهو فيها أو حتى تعقيم المعدات؟!".

إنسلاخ تدريجي

في هذا الإطار، لا تغفل زريقا عن الدَّور الإيجابي لدار الحضانة، قائلة: "لا شكّ في أنّ هذا الدور يختلف بحسب مستوى الكفاية الذي تتحلّى به دور الحضانة، إلّا أنّها عموما تساهم في تعزيز قدرات الطفل وتطوير مهاراته على مستويات متعدّدة، منها الجسديّ والفكريّ والنفسيّ، وفق فئته العمريّة". في هذا السياق تذهب زريقا أبعد من ذلك، مشيرة إلى هدف الحضانة المزدوج، قائلةً: "من جهة هي تحضّر الطفل وتساعده على دخول المدرسة والعيش ضمن جماعة على نحو منتظم، ومن جهة ثانية تمرّنه على الانسلاخ التدريجي عن والديه بعيداً من أيّ أزمة نفسيّة".

أمّا المعايير التي على أساسها يمكن للأهل اختيار دار الحضانة المناسبة، فتجيب زريقا: "في المرحلة الأولى يجب التأكّد من أنّ الحضانة حائزة على رخصة وتستوفي الشروط والمراسيم القانونيّة، ومن ثمّ التأكّد من توافر الحاجات الأساسيّة من متابعة ورعاية وبرنامج تربويّ ترفيهيّ متكامل يساعد الطفل على اكتشاف مهاراته، ضمن بيئة محفّزة وعلى أيدي متخصّصين كفوئين".

عين النقابة… ساهرة

بدوره، يؤكّد نقيب أصحاب الحضانات المتخصّصة في لبنان شربل أبي خليل، أنّ "سنة 2012 تشكّل تحدّياً لعدد كبير من دور الحضانة لا سيّما غير القانونيّة"، مشيراً إلى أنّ تنظيم الحضانات من أولويّات عمل النقابة، فيقول: "تأسّست النقابة في العام 2003 بطلب من وزارة الصحّة وبرغبة مشتركة لدى عدد من دور الحضانات التي يُشهد لها بالكفاية. في المرحلة الاولى صدر المرسوم 12286 الذي نظّم عمل الحضانة ونقلها إلى مرحلة نوعيّة، لكنّ هذا لم يكبح مآرب بعض التجّار الذين أرادوا تفريغ هذه المهنة من مضمونها وتحويلها إلى تجارة مربحة، مستغلّين حاجة معظم الأهالي إلى هذه الخدمة".

أمّا عن عدد دور الحضانة في لبنان، فيجيب أبي خليل: "نفتقر إلى الإحصاء الرسميّ والدقيق، ولكن هناك ما يناهز 500 حضانة، أقلّ من نصفها غير مرخّص له، ممّا يهدّد شرف المهنة ويسيء إلى سمعتها". ويلفت إلى "أنّ العمل جارٍ على تحديث المرسوم 4876 لضمان أعلى مستوى من الشفافيّة والرقابة القانونيّة لدور الحضانة في تعاطيها مع الأهل ومع العاملين لديها في آن معاً"، مشدّداً على أهمّية "تحفيز الموظفين في هذا القطاع وإعطائهم الضمانات، ما يدفعهم إلى إبراز أفضل ما لديهم من قدرات ومهارات".

في السياق عينه، لا ينفي أبي خليل أنّ عملية تنظيم هذا القطاع محفوفة بالمخاطر، فيقول: "لا يمكن الوصول إلى حضانة نموذجية ما لم تتعاون الدولة مع الحضانات أقلُّه المرخّص لها، على نحو تخفّف عنها الأعباء الماليّة، وتساعدها في تيسير أعمالها، فعلى سبيل المثال تلزمنا الدولة بخادمة لكلّ 50 ولد، وفي المقابل لا يمكننا طلب خادمة على اسم رخصة الحضانة إنّما على إسمنا الشخصي".

كما لم يتردّد ابي خليل في قرع ناقوس الخطر، غير مستبعد حصول عدد من الحوادث بعيداً من عيون الأهل، ويقول: "لا يمكن المماطلة في تحسين هذا المجال، وإلّا نكون بذلك نسيء إلى مرحلة الطفولة المبكّرة، لذا على الدولة تفعيل رقابتها من خلال توسيع كادر المراقبين لديها ليدققوا في جدّية عمل الحضانات".

وفي ضوء تجربته كمدير لعدد من دور الحضانة في لبنان منذ أكثر من 13 عاما، لا ينفي أبي خليل "أنّ العمل في مجال دور الحضانة يحمل في طيّاته الكثير من التحدّيات التي تتضاعف سنويّا لا سيّما مع غلاء كلفة الأيجارات والعقارات والمعدّات، وتزايد متطلّبات الوسائل التربوية الثقافية"، إلّا أنّه يؤكّد "أنّ الحضانة التي تتقاضى القسط الأغلى ثمناً ليست هي الأفضل".

أين وزارة الصحّة؟

من جهتها، تؤكّد رئيسة دائرة الأم والطفولة في وزارة الصحّة باميلا منصور أنّ "نحو 210 حضانات فقط تستوفي الشروط القانونيّة". أمّا عن طريقة مراقبة عملها، فتوضح: "تقوم إدارة كلّ حضانة سنويّا بتقديم تقرير يشمل تفاصيل أعمالها والإجراءات الروتينية التي أنجزتها، وبدورنا نحاول التأكّد من صحّة المعلومات، ولكن على نحو انتقائيّ بين الحضانات، نظراً إلى قلّة عدد الكادر البشري".

وعن عدد المراقبين المولجين الكشف على أعمال دور الحضانة، تجيب منصور: "ليس لدينا إلّا مراقِبة واحدة في جبل لبنان وبيروت والبقاع، أمّا في المناطق الأخرى فيتمّ التنسيق مع مصالح الصحّة المتوافرة، لذا قد لا يتسنّى لنا الكشف على كلّ دار حضانة إلّا مرّة في السنة".

تأمين الشروط أو الإقفال

في هذا الإطار، تكشف منصور عن رغبة الدائرة في ملاحقة الحضانات غير الشرعيّة، قائلة: "في مرحلة أوّلية أطلقنا في تمّوز 2011 مسحاً رسميّا يمكّننا من معرفة عدد الحضانات المتوافرة بالتعاون مع مصالح الصحّة والبلديات ووزارة الداخلية، ونحن في صدد تبلّغها تباعا. بالتزامن مع هذه الخطوة أصدر وزير الصحّة تعميما في نهاية العام 2011 أعطى من خلاله الحضانات غير المرخّصة مهلة 6 أشهر (حتى نيسان 2012)، لتستوفي الشروط القانونيّة، أو سيتمّ إغلاقها بواسطة الجهات الأمنيّة المختصّة، بما أنّ إقفالها بالشمع الاحمر يخرج عن صلاحيّة الوزارة".

في وقت دخل أصحاب دور الحضانة غير المرخّصة في سباق مع الوقت، عدد من الاسئلة يقضّ مضجع الأهل، ماذا لو تراخى المعنيّون حيال مماطلة أصحاب دور الحضانات؟ فمَن يحمي أطفالنا من جشعهم في استثمار هذه المهنة؟  

السابق
طلاب اللبنانية يتظاهرون على الفايسبوك
التالي
افتتاح معهد صيدا التقني للشابات التابع لجمعية المؤاساة