سأغفو لأحلم..

سأغفو وأنام. أعرف، ليس أمراً جديداً. كل ليلة أفعل ذلك. لكن عندما يكون هذا جوابي لسؤال يطنّ في أذني هذه الأيام سيصير له طعم مختلف. "شو عامل ع راس السنة؟". سوف أنام. سأنام لأحلم، كما في كل سنة، أن أستفيق لأجد نفسي شخصا آخر في بلد آخر، لأبدأ حياة أخرى. سأنام، ثم أستيقظ في السنة الجديدة في المكان نفسه الذي نمت فيه في السنة الماضية!
لن أذهب في آخر ليلة من السنة لأسهر في مطعم ترتفع أسعاره بشكل جنوني لمجرد أنها "ليلة رأس السنة". ولن أمشي في طرق ينتظر الموت على جوانبها ليصطاد أحدنا جراء حادث مروّع كما يحدث كل سنة. لن أمضي ليلتي أمام إحدى القنوات التلفزيونية لأشاهد حلقات مسجّلة لبرامج غنائية تافهة وحوارات سخيفة يستعيدون فيها كلاما قالوه في مثل هذه الليلة منذ سنة أو سنتين أو أكثر. ولن أسهر مع منجّمين و"علماء" فلك ليخبروني عن توقعاتهم للسنة الجديدة. لا أريد أن أعرف هل ستكون سنة سيئة أم جيدة. أجمل اللحظات تلك التي لم تحدث بعد، ولن أرغب في معرفة ما سيجري معي قبل حدوثه.لن أمضي ليلتي الأخيرة من هذه السنة أمام شاشة كمبيوتر، أقرأ تعليقات الذين سيمضون ليلتهم في "الفرشة كلوب"، أو أتابع أولئك الذين يمضون الوقت في تنزيل صور وفيديوهات "رأس السنة"، ليحتفلوا ببداية السنة الجديدة افتراضياً، كما فعلوا من قبل، فأغرموا افتراضياً، وثاروا افتراضياً، وظنوا أن إنشاء المجموعات والصفحات على الـ"فايسبوك" عمل تجاري سيعود عليهم بالمال، فقرروا أن يصيروا "ناشطين فايسبوكيين".
لن أنتظر مع من سيعدّون الثواني لاستقبال عام 2012، متناسين احتمال أن تنقطع الكهرباء في الثانية الأخيرة من العام. وللمناسبة، لن أتوهّم أن سنة 2012 ستحمل لنا مفاجأة الحصول على الكهرباء كما تحصل عليها باقي شعوب العالم. أو أن العام الجديد سيغيّر شيئا من عنصرية شعبي التي تزداد أكثر فأكثر تجاه أناس قدموا إلى لبنان، فصرنا نرى في لونهم أو عرقهم أو جنسيتهم سببا للتمييز ضدهم.

لن أحتفل بعام جديد، بعد أعوام من الفشل في انجاز قانون ينصف نساء بلدي ويمنحهن حقوقهن كمواطنات على قدم المساواة مع الرجل. ولن أنتظر عاماً جديداً يبشّرنا بقانون انتخابات تقسيمي طائفي يعيدنا إلى ما قبل العام الماضي بعقود.
سأغفو الليلة، لأصحو في المدينة النائمة. سوف أصحو على أسئلة كثيرة ترافق أول إشراقة شمس في العام الجديد. أسئلة عن زعماء يقودوننا نحو المجهول بخطى ثابتة وتأييد لا يحيد، وعن حقوق تهدر باسم الدين والطائفة والحزب، وعن "شعوب" لا تجتمع إلاّ في ساحات التأييد أو "كرنفالات" التغيير.
سأغفو الليلة، وفي مصر يسهرون في ذكرى الثورة لإعادة إحيائها حتى إسقاط النظام، وفي سوريا ينشغلون بالتحضير لعيد حريّتهم، وفي اليمن والبحرين وغيرهما شهداء يسقطون يوميا، كلّ من أجل وطنه، فيما "وطن النجوم" يموت كل يوم بأفعال اللاهثين خلف منصب أو ثروة، ومباركة اللاهثين خلف زعيم أو رئيس عصابة.
لن يجد من يسألني عن سهرة رأس السنة، جوابا. وستظل الأسئلة نفسها تدور في رأسي طوال السنة القادمة، كما فعلت مرارا في السنوات السابقة.
لن أنتظر منتصف الليل، فالليل في بلدي لا نهاية له في الأفق. سأغفو فحسب، وفي داخلي فرح صغير لأنني لم أنفق بضع مئات من الدولارات للاحتفال بعام جديد لا أجد بهجة في استقباله.  

السابق
عريقات ينفي العودة للمفاوضات مقابل اطلاق سراح مئة أسير ودون وقف الاستيطان
التالي
عسيران: من غير المعقول ان تبقى امور البلاد سائبة