حطّ الملاك بجناحيه البيضاويين أمام الشيطان المكفهرّ الوجه، العاقد الحاجبين وقال له: ايها العاصي الشرير، اغرب عن قلب الانسان وكفّ شرك عنه ولا تتسبب له بالمزيد من المتاعب وترديه نحو الهلاك. قهقه الشيطان وأجاب: وما ذنبي إذا أدخلني الانسان بكامل ارادته الى قلبه، وجعلني مستشاراً في كل أعماله، ورفيقاً في خطواته. سكت الملاك، وكأنه أقرّ ضمناً بأن الشيطان على حق!
لم تكن مهمّة الوقوف على آراء الناس في ما يتعلّق بالشيطان سهلة، فالفكرة ثقيلة على الآذان وعلى القلوب في الوقت عينه. وما أكثر الذين رفضوا الكلام في هذا الموضوع، مستعيذين بالله من شرّه، فيما تجاوب آخرون معنا على قاعدة ان المؤمن لا يخاف الا من الله فقط، والبقية اكتفوا بطبع ابتسامة استهزاء على وجوههم، وأكملوا سيرهم وكأن أحداً لا يكلمهم.
أماني حاطوم امرأة خمسينية لا تجرؤ على الغوص في مسألة الشيطان مخافة ان يحضر في ليلة ما للانتقام منها ومن عائلتها. هو موجود حتماً، مفضلة تسميته بإبليس. انه سبب اللعنات والمصائب التي تصبّ على البشرية في كل مكان. اعتادت أماني فكرة وجود الشيطان منذ طفولتها، إذ ان منزل العائلة في قريتها الجنوبية يقع على تخوم المقبرة، وكانت والدتها كلما أرادت ان تخيفها واخوتها هددتهم باستحضار الشيطان من بين القبور، وهكذا نشأت العائلة على فكرة التعايش مع الشيطان وأنه موجود على أهبّة الاستعداد لإلحاق الأذى بأي انسان إذا ما ذكره باستهزاء. تقول: "ابليس كائن أقر القرآن الكريم بوجوده، وقد يظهر للإنسان الكافر على هيئة جن ويتلبّسه ويعذبه". وتتابع: "ربّيت أولادي الأربعة على الاستيعاذ الدائم من شرّه حتى يظل بعيداً عنهم ولا يرسل أحداً من أعوانه ومساعديه لإلحاق الضرر بهم، وها هم اليوم يعلّمون أولادهم الأمر نفسه".
الإنس والجن لا يلتقيان
يشاطر محمد سنو أماني بأن الشيطان واقع لا مجال للتشكيك في وجوده المؤكّد بالقرآن، ولكنه يخالفها الرأي بأنه يتلبّس الانسان على هيئة جن. فيقول: "الانس والجن لا يلتقيان، ومن يقل عكس ذلك عليه اعادة قراءة الاسلام وتكوين صورة حقيقية عن طبيعة كل من الانسان الذي خلقه الله من الطين، والشيطان الذي خلقه من النار، وعليه لا امكان لأي منهما ان يلبس الآخر". ويضيف: "الشيطان عبارة عن النزعة الشريرة داخل الانسان التي تسعى الى ابعاده من صراط الله المستقيم عبر النخر الدائم كالسوس في دماغه ليحضه على ترك الفضائل واتباع الرذائل، ولا سيما ما يتعلّق بترك الصلاة أو أدائها في غير مواعيدها أو حتى عدم صيام شهر رمضان بسبب الحر وطول النهار". ويختم: " الانسان ليس نبياً معصوماً عن ارتكاب الاخطاء، ولكن عليه السعي بالحد الأدنى، لإبقاء الشيطان على مسافة من حياته حتى لا يخسر دنياه وآخرته".
الشيطان هو الانسان باسم آخر
في المقلب الآخر يرفض وليد السخن مسألة وجود الشيطان جملة وتفصيلاً، ويرى ان ما أوردته الأديان بشأنه لا يعدو كونه اسطورة رمزية لإخافة بسطاء القلوب من المؤمنين. هو شاب "علمي" يؤمن فقط بما يراه في غرفة المختبر حيث يتعلّم ويعمل. فالشيطان في نظره الانسان نفسه ولكن باسم آخر. "لا شيء" هكذا أجاب لدى سؤاله عن مدى تأثير الشيطان في حياته. "من أكبر نِعم الطبيعة على الانسان هو العقل، ولا أدري كيف يفكر هؤلاء الذين يزعمون بأن الشيطان كان سبباً لأفعالهم السيئة" متسائلاً: "ماذا سيظل للعقل إذا آمنا بمخلوقات لامرئية تقرر عنا وترغمنا من طريق الاحتيال على فعل ما تريده هي لا ما نريده نحن؟" ويختم: "انا من يحدد الفعل الصحيح من الخاطئ، وليس الملاك أو الشيطان".
موجود ولكن…
تبدو ميرنا ضاهر أكثر تصالحاً مع فكرة الشيطان وأكثر سلاسة في التعامل معها. هي تقر بوجوده من خلفية دينية، ولكنها تقاربه على طريقتها. "لا أنكر وجوده لكني أرفض تحميله مسؤولية أعمالي ووزر أخطائي. فالحياة مليئة بالإغراءات والانسان معرّض للضعف في كل لحظة، وهذا مرتبط بإرادته ووعيه لا بالشيطان الذي نحيل عواقب الأمور عليه كلما فشلنا".
أميركا الشيطان الأكبر!
"ما أكثر الشياطين المتجسّدة في هيئة الانسان، انها في كل مكان وأينما اتجهت"، يقول فضل حميّد جازماً بوجود الشياطين وتدخّلهم في تغيير سلوك البشر ومسار أعمالهم. "الشياطين أنواع: منها الشرير ومنها الأكثر شراً ومنها الشيطان الأكبر، وهذا الأخير تمثله أميركا واسرائيل وحلفاؤهما الذين يعيثون شراً وفساداً في لبنان والمنطقة". ويضيف شارحاً مفهومه للشيطان: "هو ليس كائناً لا تراه عين الانسان فحسب، بل روح شريرة أراد بها الله ان يختبر عباده المؤمنين من أولئك المنافقين، مما جعله يتجسّد في هيئات عدة: امرأة جميلة، رزمة من المال، كأس من المشروبات الكحولية، وحتى في أغنية وحفلات فنية. كل ذلك بهدف إلهاء الانسان عن عبادة ربه".
الشيطان في الاسلام
إبليس هو كبير الشياطين، وفق الديانة الإسلامية، كان من الجن العابدين لله في الأرض، ومن عبادته له كرّمه بأن رفعه الى الملأ الأعلى، ولكنه عصاه بامتناعه عن السجود لآدم. ورد في القرآن: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه). كما يطلق اسم "شياطين" على الذين يسلكون سلوك الشيطان من البشر، والشيطان هو عدو الإنسان الدائم إلى يوم القيامة (ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير) (فاطر:6)، وكان هو السبب في اخراج آدم وحواء من الجنة بعدما جعلهما يأكلان من الشجرة المحرّمة، (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) (الاعراف:20) وهو من الجن الذين لا نستطيع ان نراهم (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم انّا جعلنا الشياطين اولياء للذين لا يؤمنون) (الاعراف:27).
شيطان الإنس وشيطان الجن
يؤكد وكيل الحوزات الدينية لدى مكتب العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله الشيخ حسين الخشن ذلك، ويضيف، ان "الشيطان من مردة الجن، له أنصاره وأعوانه، فيوسوس في صدور الناس مستخدماً الايحاءات ومزيناً لهم المعاصي حتى تحلو في نظرهم، ويهرعوا الى ارتكابها من دون التفكير بعواقب الأمور". ويتابع منتقداً أولئك الذين يرتكبون الخطايا ويلقون بها على عاتق الشيطان: "الذي يحرّك نفوسنا الى التهلكة هو شيطان الإنس القابع فينا وليس شيطان الجن. فالوساويس الشيطانية لا تبرر فقدان الانسان حرية الفعل، وليس لها أي سلطان عليه، كما لا يتحمل مسؤولية أفعالنا، بل ان كامل المسؤولية تقع على النفوس الامّارة بالسوء التي تسمح له باستغلال ضعفها والسيطرة عليها". ويفرّق بين الشيطان والجن باعتبار ان الشيطان هو أحد أفراد الجن، بيد ان أي اتصال مباشر أو تماس لا يمكن ان يحدث بينه وبين الانسان. وما الادعاء بالشعوذة واستحضار الأرواح وفكّ الجن سوى ترّهات باطلة ومبالغات ليس لها أساس من الصحة في الاسلام".
الشيطان في المسيحية
يطلق الكتاب المقدس أسماء مختلفة على كائن شرير يعيث فسادا في الأرض فيستعمل كلمة شيطان العبرية والتي تعني المقاوم لأنه يقاوم مشيئة الله، ويستخدم أيضا كلمة إبليس ومعناها المشتكي. والشيطان في المسيحية كائن روحي له سلطان على زمرة من الكائنات الروحية النجسة الخاضعة له وهم شياطين أيضا (متى 9:34). وكان الشيطان في الأصل من ملائكة الله ولكنه بسبب غروره وكبريائه سقط من المجد الذي كان فيه، جاراً معه مجموعة من الملائكة الموالين له لتتحول أرواحاً نجسة اذ اعتقد أنه يستطيع أن يصير مثل الإله (أصعدُ فوق مرتفعات السحاب، أصيرُ مثل العليّ) (أشعياء 14 :13 – 15). ورغم سقوطه فأنه لم يفقد القوة الملائكية التي كان يتمتع بها، فقدراته أقوى بكثير من قدرات الإنسان العادي، وله ملكات عقلية، كالإدراك والتمييز والتذكر، وأحاسيس مختلفة كالخوف والألم (مرقس 5 :7) والاشتهاء كما أنه يمتلك القدرة على الاختيار (أفسس 6 :12) وبسبب تمرد الشيطان أمر الله بطُرده مع أتباعه إلى جهنم بقيود في الظلام محروس من الملائكة (2 بطرس 2: 4) (يهوذا 6)، ولكن هذا لم يوقفه من العمل بالشر على الأرض (1 بطرس 5:8).
ويرى الوكيل العام لأبرشية صور وصيدا للروم الأرثوذكس الاب الدكتور جاك خليل ان الشيطان في الكتاب المقدس وخبرة الكنيسة، روح شريرة تقاوم عمل الله وتحارب الاتقياء والمؤمنين. ويقول: "وكأن الله يريد ان يختبر مدى ايماننا به، فيقف الشيطان بين الانسان وبين الرب، وهنا يأتي دور الإرادة وحرية الخيار، وكلٌّ مسؤول عن خياراته". ويضيف: "الشيطان لا ينفك يغري الانسان بأفكاره الشريرة وروحه الخبيثة، ولكن وحدها قوة المسيح الكامنة في قلوب المؤمنين تقهره وتبدد شرّه". ويختم: "الانسان غير المؤمن والمتعايش مع الخطايا هو فقط عرضة لعمل الشيطان، وكما جاء في رسائل القديس بولس، الايمان بيسوع يزيل كل الشرور".
وعلم النفس…
"لا وجود لكائن مرئي أو لامرئي يدعى الشيطان"، يقول الاختصاصي في علم الدماغ السلوكي الدكتور انطوان سعد. ويضيف: "أثناء القيام بأي سلوك يجد الانسان العادي نفسه أمام خيارين: إما ان يربط تصرّفه بالله، وإما بالوجهة المناقضة له والتي تتمثل بالشيطان. وفي كلا الخيارين هناك محاولة للتفلّت من المسؤولية عبر الارتكان الى هذه المقاربة الثنائية". ويشرح ماهية هذا الصراع: "انه بين شعورين متناقضين: حرية الخيار وتحمّل نتائج هذه الحرية، والجبرية في اختبار فعل ما والقاء مسؤوليته على الغير سواء أكان الآخر، إلهاً، أو شيطاناً". ويرفض اعتبار أولئك الذين يعوّلون كثيراً على الشيطان في سلوكهم اليومي، مرضى نفسيين. ويختم: "ليس الله أو الشيطان من يتحكّمان بالإنسان، بل الانسان هو من يستعملهما ويدخلهما في هذا الفعل أو ذاك، ودائماً بالطريقة التي يخفف بها عبء المسؤولية عن كاهله".
"كنيسة الشيطان"
هي في الأصل منظمة أو شبكة تضم مجموعة من الذين يمارسون الديانة الشيطانية، كما جاء في الإنجيل الشيطاني الذي كتبه انطون سزاندور لافي عام 1969. وصفها كاهنها الأعلى بأنها ديانة الملحدين الذين لا يؤمنون بالله أو إبليس أو حياة بعد الموت، وبناء عليه يجب أن يستمتع الناس بحياتهم الحالية. تأسست في سان فرانسيسكو في 30 نيسان 1966، ومن "مشاهيرها" كينيث أنجر، كينغ دايموند، مارلين مانسون، بويد رايس، مارك الموند، وبعض كتّاب الخيال العلمي والرعب: أنطوني باوشر، أوغست ديرلث، روبرت بربور جونسون، ريغنالد بيتنور.

