أوهام العودة إلى زمن العلاقات القديمة

في البلد، بلدي، بدوت كائناً زائداً أو غريباً لا لزوم له على مشهد قديم. مشهد بدا مستقراً ومتصلاً رغم هول الانقطاع والقطيعة. بدوت غريباً حتى لنفسي، كما لأصحاب اللهو والشباب، برغم أن كثيراً من المواقع بدت على حالاتها الأصلية. لكن الوجوه التي تحمل الأسماء التي أعرفها، بانت باهتة متعبة، لا تقوى حتى على افتعال الحركات التي توافق مشاهد اللقاءات اللبنانية المتقطعة، فيما الوجوه المتجددة الشابة الكثيرة، التي لا أعرفها، بدت متحفزة، منطلقة، وأكثر ديناميكية وحركة.. لكن الجميع بدوا منسجمين في سياق ما، يجمعهم، أو يتقاطعون فيه على الأقل، في أكثر من نقطة أو محل أو زاوية..
وحدي بين هذه الخيوط الافتراضية بدوت خيطاً بلا حائط أرتكز إليه. صوت لا صدى له. لا الزمان زمانه ولا المكان مكانه..
بالطبع لم تكن عودتي كحال عودة مصطفى سعيد بطل موسم الهجرة إلى الشمال أو الجنوب. وهل من قيمة بعد أو معنى للجهات في زمن الفضاء المفتوح؟ وهل من متسع بعد لهذه المشاعر السخيفة؟ ومَن تراه يبالي بعودتك أيها الأبله المسكون بأمراض الأفكار والعلاقات القديمة! مَن تراه سوف يغامر أو يراهن على نسج المشاريع معك مهما كانت بسيطة وسخيفة وهو يعلم أنك مسافر غداً!؟

زيارة كان لا بد منها في منتهى المطاف. كان لا بد أن تكسر الحاجز الورقي، الافتراضي، ما بين الجغرافيا والخيال.. وأن تقطع العلاقة المقيتة ما بين الذات والموضوع، بين الواقع والافتراضي، بين الحضور والغيبة أو الغربة. لتتأكد أن لا واصل أو حامل الكترونياً أو حيوياً في ما بين الأجرام الآدمية الصغيرة. لتوقن أنه لا توجد منطقة وسطى ما بين الجنة والنار، كما قال الشاعر. وأن الوسط هو أتعس الخيارات وليس خيرها. وأن الدعوة للعودة ليست مفتوحة أبداً على مائدة الحاضرين في السهرة.
لا تستحي بما فعلته بالأمس أيها الأحمق! فالنهار المديني الزائف، كما ذاكرة الجيران والحي المزدحم، لن تمحو الهفوات القديمة مهما اعتبرتها سخيفة لا تلتصق على جدران التاريخ، كالغبار أو الأوساخ الراسخة.
أسابيع ثلاثة كانت كفيلة بأن تعيد جلاء الحقائق من الأحلام الصغيرة والتافهة.. العمر، الصحبة، البحر، الشعر، خمارات المدينة، اليساريون المختمرون وأحاديثهم البيزنطية ورهانهم الأبدي على أفول نجم الدين وخمود الصحوة الإيمانية..
بلى، كان لا بد من هذه الزيارة لكي تتبدد الأوهام السخيفة في الرجوع. كان لا بد منها لاسترجاع لحظات ثمينة نادرة. خلاصات سريعة خرجت بها من بيروت: أنا لم أنجح في ملامسة نبضها الحقيقي، هذيانها الليلي القديم، الذي كنت أظن، واهماً ربما، أنني لامسته يوماً.. وجوه الطلبة المتكسرة على الكورنيش بحثاً عن المستحيل أو الحب أو الحقيقة والوجود.
كان ثمة جيل آخر يسرح هناك، وبدا أن أوهاماً وأسئلة وهموماً أخرى تساوره. لم أنجح في الولوج إلى نبض الشارع. بدت عملية غير متيّسرة وإن كنت اشعر بأني أعرف جلّ الخيوط التي تتناسل منها هذه الحبكات البلدية المتقدة. لطالما حسبت أن لكل مدينة إيقاعا خاصا بها. نبض رائحة أو نكهة أو روح تميزها عن غيرها. حركة الناس ومشيتهم. عمليات الشراء، طريقة الأكل وتبادل الأحاديث والنظرات. النكات والكلمات الطائشة من هنا وهناك.. هذا ما أحسبه روح المدينة. المدينة التي قد تفتح ذراعيها لك فتضمك إليها، بائعاً أو زائراً متسولاً أو حتى مجرد مدعٍّ سخيف، أنك خليفة فاتح عظيم. إيقاع تلقائي يدركه ويسلكه الجميع، المارة والبائعون الجوالون وسائقو السرفيس.. بالسليقة أو بالمراس وربما بالفراسة والنباهة. كأنهم في مسرحية لم يتكلفوا عناء التدرّب الطويل على أدوارهم فيها.
لكنك لماذا لا تنزل على الأرض من عليائك النظرية، لتقرّ بأنك ككل المغادرين، قررت أن تنشقّ وتخرج من شرنقاتك المدينية، لتسبر غمار مدن ما خلف البحار، بحثاً عن فضاءات ومساحات أخرى، عن أضواء وبهارج ليلية صاخبة ولغات أخرى إفرنجية.. وكأنك تحسب أنك لحظة تعود، سوف تظل مشاهد دوائرك القديمة على الحال التي تركتها عليها، واقفة تنتظر عودتك الميمونة!
كذلك بدت القرى تنسج على منوال آخر، صعيد آخر لا إغراء فيه.. ووجدتني أتفق مع مقولات العائدين من قبلي، أن البلد لا يستحق حتى الزيارة.. هؤلاء المتذمرون من كل شيء، الذين كنت أثور عليهم، أنهم تغربوا في حين أن روح الشرق تخلد في عظامهم ومأكلهم وملابسهم وألسنتهم ولحاهم الطويلة وفي عروق أولادهم المهجنين.
عدت مضطرب الرؤى، مشوش الأفكار، فلا أفق في التغيير، ومشاريع العودة أحيلت إلى وطن آخر..
قرار كان لا بد أن يُحسم، فأنت لم تعد وحدك. حولك يلهو أطفال بمستقبلهم، وعليك أن تختار أي الأماكن سوف تأخذك إليها، وأي أزمنة سوف تقضي ما تبقى لك من لحظات أو سنين فيها. فهل تفقد الجسارة على المحاولة والتجريب الدائم، وتركن إلى مقولة الخانعين الراكنين، أن ما تعرفه يبقى أفضل ممّن سوف تتعرف إليه من جديد!
متى ستكف عن فتح جوارير الماضي، لتسحب منها كل مرّة شريطا من بكرات أيامك الآفلة، تظن أنك ستحيي العظام فيها من جديد.. وأنت تعلم أنها رميم!؟  

السابق
الطيران في الصين
التالي
معرض صُوَر قبرصي في صور