سؤال: كم مرة استفزّك إعلان في لبنان، لكثرة إيحاءاته المميّزة ضد المرأة أو المسيئة لها ولدورها؟ وكم مرّة أزعجتك مادة إعلامية، أغنية، فيديو كليب أو تقرير تلفزيوني، لتسليعها الفاضح والمباشر لجسد المرأة، أو لعنصريتها أو تمييزها العرقي؟
سؤال ثان: كم مرّة من مرات السؤال أعلاه رغبت بالتعبير عن هذا الانزعاج ولم تجد لا المساحة ولا التشجيع على فضح الإساءات تلك؟
إذا كان الجواب على كل من السؤالين رقماً ضخماً لدرجة أنه دفعك إلى التوقف عن العدّ، تابع القراءة لأن ما سيأتي سيهمّك.
نجم القصة هو "خر بر"، والحدث الأبرز انه انطلق بكامل زخمه على جميع الأراضي اللبنانية. وفي التفاصيل أن "خر بر" هو مرصد للإعلانات والأغاني والمواد الإعلامية العنصرية والمميزة جندريا وعرقيا والمسيئة للمرأة، والتي تعتبرها مجموعة الناشطات النسويات القيّمات على المرصد، "مخالفات اجتماعية، حتى لو لم تعتبرها الدولة مخالفات قانونية". ناشطات المرصد اللواتي أطلقن موقعه الإلكتروني الشهر الماضي، اخترن تسمية "خر بر" بعناية. فعلى غرار آلة طبيب الأسنان المستخدمة لإخراج السوس، المسمّاة "خر بر" بالعامية، يهدف المرصد إلى "إزالة التمييز الجنسي والجندري من الخطاب الإعلامي"، بحسب الناشطة في المرصد غايا.
بدأت القصة في ربيع العام 2010، حين "اجتاحت لبنان موجة من الإعلانات والأغنيات المسيئة للمرأة والعنيفة بدرجات متفاوتة"، على حدّ تعبير الناشطة ليليت. عندها اتضح جليّاً "الاستغلال الوقح للمرأة في مختلف الإعلانات، والإساءة لدورها وحريتها وخصوصية جسدها على كافة الطرق، من شمال لبنان إلى جنوبه، وعلى التلفزيونات والراديوهات وفي الفيديو كليبات والأغنيات، وحتى في التصريحات السياسية"، تضيف.
مهّدت هذه الموجة لفكرة المرصد، لا سيما أن لبنان بحاجة ملحّة لمثل هذا المنبر، لأن الإعلام يزداد تمييزاً ضد المرأة وتسليعاً واستغلالاً لجسدها، كما يزداد عنصرية بشكل عام، بحسب غايا، خصوصا أن "معظم الناس لهلق ما بيشوفوا شي غلط بهالإعلانات"، بحسب ليليث. "في البداية، لم نكن نملك فكرة واضحة عن كيف نريد أن يكون المرصد"، تشير ليليت، "وبعد التفكير المطّّول، جهزت فكرته فأطلقناه بأهداف واضحة"، تضيف.
يتمحور عمل المرصد حالياً على رصد الإعلانات وتشكيل مجموعة من الناس المدركين لخطرها وأثرها والقادرين على تشكيل مجموعة ضغط مؤثرة، تباشر عملها "وقت نصير جاهزين نشتغل على مشروع قانون بيضبط الإعلانات"، تفيد ليليت.
عند إلقاء النظرة الأولى على موقع "خر بر"، قد لا يبدو انه يختلف عن أي من المدوّنات الرائجة على الإنترنت، إلا إن الاختلاف يتجلّى تدريجياً مع اكتشاف أبوابه. أول ما يلفت الانتباه هو أسماء الناشطات – وهي أسماؤهن المستعارة التي تعكس ابتكاراً ينسحب على مختلف أبواب الموقع. "نستخدم أسماءً مستعارة لحماية أنفسنا من أصحاب شركات الإعلانات والإنتاج والتلفزيونات – حيتان المال والسلطة"، تشير غايا. وفي حين أن الأسماء المستعارة ليست ابتكاراً بحد ذاته، بل اختيارهن جميعهن لأسماء آلهة من حضارات مختلفة – غايا، اشكيت وليليث هو المبتكر.
يصدر المرصد نشرته يوم الثلاثاء كل أسبوعين، وتتضمن النشرة المخالفات التي رصدها فريق عمل المرصد أو أحد زوار الموقع في الأسبوعين الفائتين. آلية ضبط المخالفات تتمثّل في "تصوير الإعلان المخالف أو تسجيل الفيديو كليب أو المقطع الصوتي، وعرضه على الموقع، إما بهدف فتح نقاش حوله وإيصال وجهات النظر المختلفة، أو بهدف تحويره فنياً وبصرياً وسمعياً بما يخدم الدفاع عن قضيتنا"، بحسب الموقع.
على الموقع، المتوفر باللغتين العربية والإنكليزية، أبواب متعددة. باب "الباستد وانز" أو "المفضوحين" يجمع كل المواد التي التقطت إما من فريق الناشطات بعد جولاته في مختلف المناطق أو من المواطنين الذين يستطيعون تصوير وتحميل ما يضبطونه من خلال باب "يو باست" أو "أرصد/ي بنفسك" على الموقع. في باب "الأسود والأبيض"، يتم عرض مواد إعلامية وإعلانات نشرت في صحف ومجلات لبنانية كانت تصدر في الماضي، بالأسود والأبيض. "الفكرة من هذا الباب هي التنبيه أن هذا الخطاب تجاه المرأة ليس جديداُ وهو أيضاً تحذير من أن المستقبل قد يكون أسوأ إن لم نتحرك اليوم"، تشرح غايا.
لعل باب "كي لا ننسى" هو الأكثر ذكاء على المرصد، لأنه يوثّق لأكثر الإعلانات إساءة، في السنتين الأخيرتين و"التي كان علينا أن نذكرها". وإذا كان "كي لا ننسى" كذلك، فـ"كول وانز" و"سيكسيست آد أوف ذا ويك" من أكثرها ابتكاراً. في "كول وانز"، تحاول الناشطات أن تكسر حدّة المقاربة السلبية للإعلانات عبر تحية الشركات التي تنتج إعلانات مشجعة على المساواة أو البعيدة عن التمييز. أما الزاوية الثانية فهي "نوع من جائزة تمنح لصاحب أسوأ مقاربة للمرأة وقضاياها ودورها"، تفسر غايا.
ورغم أن الموقع يهدف إلى رصد كافة أنواع التمييز في الإعلام، إلا أن المواد حالياً تتطرق بمعظمها إلى التمييز الجندري فقط. تبرر ليليت ذلك بأن التمييز الجندري "هو أكثر وسيلة معتمدة في الإعلان، أوقات بقالب مرح وفكاهي وأوقات بقالب جدي. ونحن كناشطات نسويات منعتبر القولبة والتنميط الجندري إحدى صراعاتنا السياسية ضد القمع. هذه القولبة بتعيد تشكيل المجتمع نفسه وتؤكد الصور النمطية اللي عم نشتغل على تفكيكها".
ويبدو التفاعل على الموقع جيدا، ليس فقط بسبب العدد المتزايد للمتابعين والمعجبين على "تويتر" و"فايسبوك" وكذلك عدد الزيارات المتنامي أسبوعياً على الموقع، بل أيضاً جراء التعليقات الإيجابية والسلبية التي يتركها الزوار، وقيامهم برصد وتحميل موادهم على الموقع من خلال "يو باست".
ورغم تشكيك البعض بقدرة المرصد على التأثير في الوضع العام للإعلام والإعلان أو في ذهنية المجتمع "الذي لا يرى المشكلة في الإعلانات العنصرية والمميزة جندرياً"، لا سيما أن إمكانية المشاركة في الموقع أو الاطلاع عليه مرتبطة بالحصول على خدمة الإنترنت، فإن الناشطات متفائلات. "مجرد تحريك الوضع الراكد، الخالي من أي رد فعل على هالإعلانات وبداية خلق الوعي على أثرها، هو شي مهم"، تبادر ليليث. أما غايا، فتبدو أكثر طموحاً: "نأمل بأن نشكل ضغطاُ كافياً لترغب شركات الإعلانات بفتح حوار معنا حول مقاربتهم لحقوق المرأة والإنسان علّنا نجد أرضية مشتركة معها"، تعلن آملة أن يوصل المرصد رسالة لشركات الإعلان مفادها "عيوننا عليكم".
مدركة أن الدرب طويل، تراقب كل ناشطة في "خر بر" الجنين وهو يخطو خطواته الأولى، بساعدٍ متأهب للعمل، عين لا تنام، ويد على القلب.

