في بدايات السعي الصهيوني لتهويد فلسطين وإقامة الدولة اليهودية ابتهج دافيد بن غوريون يوم أصبح لليهود مقابرهم الخاصة بهم0 مؤسس الدولة الإسرائيلية رأى في المقبرة رمزا للوجود اليهودي في فلسطين باعتبارهم شعبا.
أتذكر هذا وأنا أتابع واحدة من أشد "مفردات" الإحتلال قسوة : مقبرة الأرقام، أي تلك المقبرة التي يحتفظ الجيش الإسرائيلي فيها بجثث شهداء من المقاتلين الفلسطينيين لعقود طويلة، وفي أماكن لا تحمل أية ميزات إنسانية، بل بوضع رقم على كل جثة ليسهل معرفة صاحبها.
الأسبوع الفائت أفرجت السلطات العسكرية الإسرائيلية عن جثة واحد من "نزلاء" تلك المقابر المحرومة من الأسماء، إنه المقاتل الفلسطيني حافظ الزنط الذي قتله الجنود الإسرائيليون خلال معركة عسكرية في غور الأردن عام 1976، ليشيعه الفلسطينيون بتأخير زاد عن ثلاثة عقود ونصف العقد.
"الديمقراطية الوحيدة" في منطقة الشرق الأوسط تخوض مع الشعب الفلسطيني حرب مقابر : يفضلون الفلسطيني ميتا، وحين يحققون ذلك يحرمونه أن يكون هو، باسمه وبطاقته الشخصية كاملة، ثم يحرمونه أيضا من نعمة أن يكرمه ذووه وأهله وجيرانه بدفنه، فالدفن المؤجل لعقود طويلة بات واحدة من مفردات الحياة الفلسطينية في ظل الإحتلال الإسرائيلي.
كان تشييع حافظ الزنط مهيبا: كانت أمّه تتمنى بالتأكيد لو جرى التشييع عام 1976، ولكنها مع ذلك تنال شيئا من سكينة روح الأم وهي تودّع رفات إبنها لينام في تراب وطنه ومدينته. وكان مشهدا بالغ التأثير والدلالة أن يعمد رجال الشرطة والمشيعون الفلسطينيون أن يمرّوا بالجثمان المهيب على خيمة الإعتصام مع أسرى الحرية المحتجزين وراء جدران السجون والمعتقلات الإسرائيلية في إشارة بالغة الدلالة لحجم حضور الحركة الأسيرة في حياتنا كشعب، ولحجم ما تمثله من آلام تطال آلاف العائلات في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، بل وتمتد الى بلدان الشتات.
احتجاز جثمان شهيد في مقبرة أرقام، تقابله أحكام بمجموعة من المؤبدات بحق مناضلين فلسطينيين أحياء، وفي ظروف اعتقال شاذة لا تشبه أية ظروف أخرى في أي مكان من عالم اليوم.
لا أستطيع أن أرى قضيتي مقابر الأرقام، أو الأسرى والمعتقلين في سياق الكفاح الوطني الفلسطيني، دون أن أدعو من جديد لخوض معركة مواجهة هذه "المفردات" الشاذة من مفردات الإحتلال التي لا تحصى. لا يجوز في تقديري استمرار حالة الكفاح الموسمي في هاتين القضيتين بالذات : القيادة الفلسطينية مدعوة لاثارة قضية الأسرى وقضية جثامين الشهداء في مقابر الأرقام دوليا، وعلى أوسع نطاق ممكن.
لماذا لا نثير قضايا كهذه في مؤسسات الأمم المتحدة الرئيسة (مجلس الأمن والجمعية العامة)، وأيضا في المنظمات المتخصصة المتفرعة عن الأمم المتحدة، ونحن نتذكر (والعالم يتذكر معنا) الحملة السياسية والإعلامية الضارية التي خاضتها المؤسسات الصهيونية في ما عرف وقتها بقضية أسنان الذهب، التي قيل إن جيوش النازية الهتلرية انتزعتها من أفواه اليهود الذين اعتقلتهم خلال سنوات الحرب العالمية الثانية في أماكن مختلفة من أوروبا.
[
بين الأسرى الفلسطينيين في المعتقلات والسجون الإسرائيلية عدد من المناضلين الذين أصدرت المحاكم العسكرية الإسرائيلية بحقهم عددا من أحكام السجن المؤبد، أي ما يمكن أن نسميه دون مبالغة السجن اللانهائي، وهم سيطلق سراحهم اليوم في صفقة تبادل الأسرى الجديدة ، وإن أصرّت الحكومة الإسرائيلية على إبعادهم عن مدنهم وقراهم في الضفة الغربية والقدس، وإجبارهم على الإنتقال للعيش في الجزء الآخر من وطنهم قطاع غزة0 هؤلاء يجسّد خروجهم المشرف على هذا النحو من المعتقلات الإسرائيلية ضربة موجعة للسياسة التي كانت ولا تزال منهجا في التفكير الإسرائيلي. لعلنا نتذكر هنا الهجوم الكاسح الذي شنه زعيم المعارضة البرلمانية الإسرائيلية وقتها بنيامين نتنياهو على رئيس الوزراء السابق ايهود أولمرت بسبب موافقة الأخير على الإفراج عن معتقلين فلسطينيين من ذوي الأحكام الطويلة، وكيف اضطر أولمرت للتنصل من موافقته ومن الصفقة كلها، ليعود نتنياهو ذاته ويوافق مرغما، وليثبت بموافقته حقيقة أن لا شيء نهائياً ومبدئياً في السياسة الإسرائيلية، لو نجحنا كفلسطينيين في انتهاج أساليب كفاحية صائبة.
لا أريد أن أتحدث عن أسماء بعينها من بين القادة الأسرى، من حماس أو فتح أو غيرهما، فالقضية عندي أن يعود هؤلاء لسبب بالغ البساطة ولكنه بالغ العمق والدلالة، أنهم أسرى حرية ضائعة في زمن يكثر فيه اللغط الدولي عن سلام الشرق الأوسط كما لو أن السلام قضية مبتورة عن ارتباطها بالبشر ذاتهم. لا يجوز في تقديري أن تتم مناقشة قضية الأسرى والمعتقلين في معزل عن مناقشاتنا مسألة السلام برمته، ولكنني أشدّد في الوقت ذاته (ودون خشية الوقوع في التناقض) على أهمية أن تظل قضية الأسرى والمعتقلين حاضرة في كل حملاتنا وتحركاتنا السياسية والدبلوماسية والإعلامية على الساحة الدولية.
[
في ذكرى غياب المثقف والقائد السياسي الفلسطيني البارز ماجد أبو شرار أفتقد كثيرا شخصية المثقف النقدي : أعني هنا بالتحديد المثقف الذي يمزج دون تردد بين التزامه بكفاح شعبه وبين رؤيته النقدية لأية مظاهر خراب في المؤسسة الوطنية0
كان الفلسطينيون عند بدايات اطلاق شعار الدولة المستقلة أواسط السبعينات يمازحون بعضهم بالقول أنها "دولة ماجد أبو شرار"، ومع ذلك كان "أبو سلام" المؤمن بالاستقلال والدولة المستقلة واحدا من أصلب المناضلين الفلسطينيين في الدفاع عن ديمقراطية الحياة السياسية الفلسطينية، وله في هذا السياق مواقف مشهودة في وجه القيادة العليا للشعب الفلسطيني، دفعت تلك القيادة لمحاصرته ومحاولة تهميشه لسنوات عديدة0 يومها كانت تسيطر على الحياة السياسية الفلسطينية عصبوية الإنتماء للشعار السياسي العام، فحجبت كثيرا من تلك المواقف المشهودة لذلك المثقف الغرامشي، الذي أحببنا طويلا أن نطلق عليه اسم نصير المثقفين، والذي عاش حتى لحظة انفجاره في روما مدافعا صلبا ضد تجاوزات العابثين، وضد مظاهر الفساد والترهل والبيرقراطية، والتي نعاني منها الى اليوم0
إنه التاسع من تشرين الأول / أكتوبر من جديد : ماجد هو حلقة بارزة في قائمة طويلة من مثقفين فلسطينيين كبار دفعوا حياتهم ثمن التزامهم بقضية شعبهم، ومنهم الشاعر الراحل كمال ناصر، والكاتب الطليعي غسان كنفاني، كما أيضا شهيد العاصمة الإيطالية وائل زعيتر0
هؤلاء يحضرون وهم من لم تغيبهم السنوات الطويلة باعتبارهم رموزا للثقافة الوطنية في زمن تبدو فيه الثقافة وحيدة وشبه معزولة عن الحياة السياسية والوطنية، وله ولهم سلام0

