في صف.. ما في صف بصور

لم تدم طويلاً فرحة استحداث فرع للجامعة اللبنانية في مدينة صور، وتحديداً افتتاح كُلّيتَيْ العلوم والسياحة، خصوصاً لدى من اعتبر أن مشكلته حُلّت نهائياً، وأن «المشاوير» إلى النبطية أوإلى بيروت في طريقها إلى النهاية، لكن بعد مرور سنة، انتهت مهلة «الفرحة» على ما يبدو، لأن بعض الطلاب حُسِم أمرهم بعدم وجود «سنة ثانية» لاختصاصهم في صور.

قصاب
محمد علي قصاب الذي اعتبر أن وجود جامعة لبنانية في صور هو بمثابة إنقاذ له، كونها في المدينة التي يسكن فيها وتناسبه من مختلف الجهات، خصوصاً أنه يعمل بعد الظهر، يقول لـ«البناء»: «اخترت إدارة الفنادق كاختصاص في كلية السياحة في الجامعة اللبنانية- فرع صور، لأنني وجدت عوائق كثيرة في الذهاب الى بيروت، منها تأمين السكن، إلى الجو الجديد، والمصروف الكبير، وتحمّل المسؤولية كاملة، وبما أن الجامعة في صور بدأت سنتها الأولى، كان يعتريني الخوف بدايةً من فكرة «أنهم يُجرّبون فينا»، وأن يكون مستوى الجامعة ضعيفاً، لكن كونها الجامعة اللبنانية (يعني ما في مزح)، ويعني أنها رفيعة المستوى بدليل أن طلاباً لم يستطيعوا أن يُكملوا الدارسة لصعوبتها».

يصف محمد التعاطي في الجامعة بالجدّي من قبل الادارة والأساتذة، إذ أنهم يتّبعون النظام والمحاسبة على الحضور، والقرارات كافة تأتي من الفرع الأول حتى الامتحانات.
ويبدي محمد معاناته من عدم وجود حصة «التطبيق» (المطبخ) في صور، إذ أن الكلية غير مُجهّزة بمطبخ للتطبيق، ما يضطرهم للتوجه إلى بيروت لحضور هذه الحصة.

ويضيف محمد: «كل الأمور كانت تسير بشكل طبيعي، إلى أن شارفت السنة الأولى على النهاية، وحُسم أمر إدارة الفنادق بعدم فتح صف للسنة الثانية، لعدم وجود عدد كافٍ من الطلاب، ولم يطالَب أحد بذلك لعدم وجود مجلس فرع للطلاب يتكلم باسمهم، ما جعلنا نفكر مجدداً بالتوجه إلى بيروت. يعني التفتيش عن أبواب أخرى، أي أني عدت إلى بداية المشوار، ثمة خيارات كثيرة، ولا شيء مؤكد».
رفاعي
لم يجد حسام رفاعي الجدية في الجامعة، هو طالب كلية العلوم، ووجد في الجامعة اللبنانية في صور فرصة كبيرة له كونها قريبة من مكان سكنه، ولولا وجودها لما كان اختار هذه الكلية لأن هاجسه كان البعد عن الجامعة.
استمر حسام في الجامعة مدة أربعة اشهر فقط لأسباب اعتبرها تستحق توقفه عن متابعة دراسته فيها، ويقول: «لم أجد الجدية فيها، ولا النظام، كما أن الاداريين والاساتذة جلهم من المتخرجين الجدد، ما أخافني اكثر عدا عن ان كل يوم هناك احتفال حزبي، كل هذه الاسباب أفقدتني الأمل فقررت التوقف، وكي لا أخسر مزيداً من الوقت، سأسجل في جامعة أخرى في مدينة صور في الصيف، كي لا أفوّت عاماً بكامله».
سرور
لم تشكُ زينب سرور أي تقصير في الجامعة، إذ أنها لمست جدية وتعاوناً في التعاطي، وأداءً إدارياً يتّبع النظام وأساتذة كفوئين، لكن لدى زينب مشكلة كبيرة هي عدم استمرار الجامعة ببعض الاختصاصات، وتقول: «أعيش في حيرة، وإلى الآن لست متأكدة من وجود أو عدم وجود سنة ثانية لاختصاصي، لذلك لم أقرر بعد أين سأُتابع، في النبطية أم في بيروت (حرام منطقتنا ما يكون فيها جامعة)، حتى لو كان العدد قليلاً، فمع مرور السنوات سيزداد، ويتحول من شعبة الى فرع».

تشمل شكوى زينب عدم تطوير التعليم الرسمي ودعمه، كما تشكو صعوبة المنهج، وسبب عدم فتح السنة الثانية في صور، يعود الى عدم وجود التمويل، وتسأل: «لماذا الحجج الواهية في قلة التمويل؟ في حين أننا نرى ونلمس صرف مبالغ طائلة على مشاريع تقل أهمية عن الجامعة والتعليم، إن المسؤولية تقع كاملة على الدولة المقصرة في شتى المجالات».

عباس
لكل طالب رأي ونظرة مختلفين عن غيره، وللاطلاع على واقع الجامعة من موقع المسؤولية، التقت «البناء» منسق شعبة صور- كلية العلوم – الجامعة اللبنانية الدكتور حسّان عباس، الذي تحدّث بداية عن أهمية وجود هذه الشعبة بالنسبة لأهالي منطقة صور، خصوصاً في ظل صعوبة الوضع الاقتصادي، وقال: «سهّل وجود الجامعة على المواطنين كثيراً، خصوصاً من الناحية المادية، لاحظنا ذلك اكثر من خلال ممارسة عملنا واحتكاكنا بالطلاب، حيث ان بعض الطلاب كانوا لا يستطيعون شراء كتاب سعره لا يتجاوز الستين ألف ليرة، فكانوا يقسّطونه ونحن كنا نقبل ونتعاون معهم».
لم يتوقع عباس عدد الطلاب الذي تخطى المتوقع قياساً، «على الرغم من ضيق الوقت الذي لم يسمح بالاعلان اللازم عن الجامعة، فقد كان عدد الطلاب 275، بقي منهم 139 خلال آخر السنة، وهذا أمر طبيعي، ففي كل الجامعات وكل الاختصاصات هناك طلاب لا يُكملون السنة، وهذا العدد سيقل في السنة المقبلة، وبعض الطلاب الذين لم ينجحوا تستقطبهم بعض الجامعات الخاصة في المنطقة».

وعن السنة المقبلة، من المؤكد يقول عباس، أنه سيتم فتح سنة أولى، ويتوقع أن يصل عدد الطلاب إلى 500. وعن فتح صف للسنة الثانية في كل اختصاصات كلية العلوم قال: «في هذه الشعبة التابعة بشكل مباشر للفرع الاول في الحدث، اربع اختصاصات، ومن المحتمل أن يستمر طلاب اختصاص (رياضيات- معلوماتية- انكليزي) فقط في هذه الشعبة، والباقي سيتابعون سنواتهم المقبلة في بيروت أو النبطية، لأن استكمال الكيمياء والفيزياء والطبيعيات يحتاج الى مختبرات غير متوفرة لدينا، وتقدّمنا بمشروع تجهيز مختبرات لاتحاد بلديات قضاء صور، فأجاب الاتحاد أنه تقدم بالمشروع إلى القوات الكورية في «اليونيفل» لتمويله، ونحن في انتظار الرد، اما الرياضيات فإذا اكتملت العناصر المطلوبة من طلاب، وكادر تعليمي، وتجهيزات، يرفع العميد مشروع اقتراح لرئيس الجامعة وهو صاحب القرار الأخير».

ويتابع عباس: «ما سيرد إلينا من تساؤلات وهواجس لدى الطلاب عن السنة الثانية، نطرحه نحن دائماً على أنفسنا، وليس في مقدورنا الردّ عليه، لأن القرار ليس في يدنا، ولا يمكنني شخصياً أن أعد بشيء، لكن التجربة مفيدة للمنطقة في كل الاحوال، وعلى الأقل نحن نكون ساعدنا الأهالي وخففنا عنهم تكاليف سنة، وإلى الآن خطوة هذه الشعبة في صور هي خطوة مساعدة وجزئية وليست جذرية».

وعن مجلس طلاب الفرع قال عباس: «بما أننا تابعين للفرع الأول في الحدث، الانتخابات تحصل هناك، وسنعمل على آلية أن يكون في الشعبة ممثل عن المجلس».
وفي ما خصّ المبنى يقول عباس: «كان من العوائق وجود الجامعة في نفس مبنى «المهنية»، ما سبّب انزعاجاً كبيراً لدى طلاب الجامعة، وتراجعاً معنوياً، لأن تصورهم للحياة الجامعية والمبنى الجامعي كان مختلفاً، ومنهم من أحسّ أن الثانوية كانت أفضل، من هنا تكمن أهمية الشكل كعامل جذب أساسي، أما الجوهر فلا يمكن إدراكه في البداية، عدا عن أن المبنى مشترك أيضاً مع كلية السياحة، ومن هذا المنطلق جرى العمل جدياً على تأمين مبنى خاص لكلية العلوم، حتى لو بقيت الجامعة بسنة أولى، وبهذا الخصوص رفع اتحاد بلديات قضاء صور وبلدية صور كتاباً إلى وزير التربية لتأمينه، وهذا ما حصل».

وجود الشعبة في المنطقة كما كل أمور الحياة له ايجابياته وسلبياته، وأول الايجابيات، التوفير المادي، إذ أن استحداثها حلّ مشكلة مادية ولو جزئياً، كما حلّت مشكلة الأهالي الذين لا يستسيغون إرسال أبنائهم إلى بيروت بسبب السكن، كما أن لوجودها أهمية في تطور المنطقة وازدهارها.

أما سلبياتها، فتكمن في أنها تُفرّق أكثر، فالتفاعل في الوطن بين المواطنين لا يحصل في ظل تواجد فروع للجامعة في كل منطقة على حده، وبذلك لا يرى المواطن الا منطقته، فالجامعة ليست فقط للتعليم، إنما للتثقيف وللتفاعل بين أبناء المجتمع الواحد، بمختلف مناطقهم وطوائفهم.
رمّال
منسق شعبة صور – كلية السياحة وإدارة الفنادق الدكتور حسين رمّال، إلتقته «البناء» لمعرفة وضع هذه الشعبة في منطقة صور، ومدى أهميتها، معتبراً أن لأهميتها وجهين، واحدة أساسية وضرورية للمنطقة وتُسهّل على طلابها كثيراً، ومن جهة أخرى أن منطقة صور تعتبر سياحية بامتياز.
يقول رمال لـ«البناء»: «ما لم تتأثر به كلية العلوم، تأثرت به كلية السياحة، حيث أن التأخير في الاعلان عن الجامعة أثّر كثيراً على عدد الطلاب، حيث لم يكن لدينا سوى أسبوع واحد للاعلان عن امتحان الدخول، ولم يتمكن سوى 100 طالب من التقدم إلى الامتحان، نجح منهم 60 طالباً، بعدئذ قام 130 طالباً بتقديم طلب «استرحام» من أجل اعادة الامتحان، وبما ان الامتحان موحد في كل لبنان، لم يكن لدينا قدرة على فعل شيء. وتوزّع عدد الطلاب الناجحين على ثلاث اختصاصات، سياحة وسفر، إدارة فنادق وإرشاد سياحي، وبما أنها السنة الأولى، لم نكن نريد للطلاب أن يشعروا أنها جديدة وغير قادرة على تلبيتهم، لذلك كنا نُجري فيها كل الامتحانات بمسابقات مشتركة مع فرع بيروت، كونها تابعة له، وبكل تنظيم وجدية، بلغ حدّ الحرمان من الامتحان بسبب عدم الالتزام بالحضور الذي هو 80 % للطلاب المتفرغين للدراسة و70 % للذين يعملون».
ويتابع رمال: «هكذا كانت السنة الأولى في الكلية، ومن بين الاختصاصات الثلاثة تأكد فتح صف سنة ثانية للسياحة والسفر لاستكمال العناصر المطلوبة، اما الاختصاصين الباقيين، فيعود عدم استكمالهما في شعبة صور السنة المقبلة، إلى عدم وجود عدد كافٍ من الطلاب، حيث توفق معظم طلاب إدارة الفنادق بتدريب، ومن ثم حظيوا بعمل دائم في عدد من فنادق بيروت، من أجل ذلك سيُكملون اختصاصهم هناك، أمّا الارشاد السياحي، وبما أن عددهم لا يخوّل فتح سنة ثانية في صور، سيضطرون للذهاب الى بيروت، حيث الانفتاح والاختلاط أكثر، وهذا أفضل لهم ويُناسب اختصاصهم، صحيح ان المشكلة التي أردنا حلّها من خلال هذه الجامعة، لم تُحلّ نهائياً، فقد وفّرنا سنة واحدة على الأهالي، لكن مع الوقت ستُحل المشكلة كلياً».

وتابع رمال: «لم تواجهنا هذه السنة أية عراقيل سوى في بدايتها، في ما خصّ ضيق الوقت، أما باقي الأمور فكلها كانت تسير بشكل طبيعي، الأساتذة موجودون، الادارة تمتلك خبرة واندفاع على العمل ويُعتمَد عليها، التواصل مع المكاتب من أجل تأمين تدريبات للطلاب موجود، التعاون الأكاديمي والسياسي مؤمّن، البلدية والاتحاد لهما فضل كبير علينا حيث كان رئيس الاتحاد يتابعنا خطوة بخطوة، وهو من جهّز المبنى، وإلى الآن الأمور تسير بشكل طبيعي وكلها حُسمت، سنة ثانية للسياحة والسفر، وآخر مهلة لتقديم طلبات السنة الأولى في كلية السياحة في 19 تموز».

الحيرة بكّرت لدى الطلاب، اذ لا يكفيهم ما ينتظرهم بعد التخرّج من ضياع في الوقت بحثاً عن عمل، ها هم اليوم في صور يسألون: «لماذا هذا التقصير من قبل الدولة؟ واذا أقدمت على خطوة تكون ناقصة ولا تُكملها لتُحدث تقدماً يُعيد الأمل لجيل يتطلع إلى مستقبله حائراً في أمره».

السابق
امرأة… قائمقاماً لجبيل
التالي
عقار جديد لمهاجمة الأورام السرطانية