ألف باء «المسح»: كيف تسرق المشاع قانونا

أكثر من عامين تقريباً على بدء عملية التحديد والتحرير الالزامي في القرى والبلدات الجنوبية غير الممسوحة والتي يتمّ مسحها تباعاً، والقلق يساور الكثير من الأهالي، من أبناء تلك المنطقة الجنوبية القريبة من الحدود مع فلسطين المحتلّة. فكثيرة هي الحكايات والاتهامات الصحيحة والمغلوطة التي يتمّ تناقلها على الألسن، ةالتي تشير الى الاستملاكات غير المشروعة لأملاك خاصّة وعامّة، اضافة الى تواطؤ يطال بعض المخاتير والمسّاحين، الذين يرفضون أي تهمة منسوبة اليهم.

إنّه “توسونامي المسح العقاري” كما سمّاه البعض والذي “ساهم في تغطية الكثير من الاعتداءات على الملكية العقارية”. فقد اعتاد أبناء تلك المنطقة على بيع وشراء عقاراتهم عن طريق الكاتب العدل أو “البيع العادي” الذي يصدر عن من وقّعه، ومن ثمّ الحصول على “العلم والخبر” من المختار لتثبيت ملكيتهم. ما سهّل عليهم عمليات البيع والشراء من دون رسوم ومصارفات قانونية ومعاملات ادارية. لكنّ ذلك كان في المقابل يؤدي الى كثير من النزاعات القانونية وغير القانونية على الحدود وأصل الملكية، نتيجة الاعتداءات المختلفة على الملكية التي يستسهل البعض ارتكابها لعدم وجود التحديد والتحرير.

المحامي حسين نور الدين يقول إنّ “الكثير من الدعاوى كانت تقع بين الورثة وأصحاب الأراضي المتلاصقة نتيجة تلك التجاوزات، سيّما تلك التي يكون المختار شريكاً فيها باعطائه العلم والخبر دون وجه حقّ او دون التأكد من أصل الملكية”. ويضيف: “عدم وجود المساحة حرم البعض من حقوق منحها القانون لهم، فالقانون مثلاً يساوي بين الرجل والمرأة في النصيب العائد لهما من التركة اذا كانت أرضاً أميرية (خراج البلدة) ممسوحة، بينما للرجل حظّ الأنثيين عند المسلمين اذا كانت الأرض غير ممسوحة، وإن كانت أميرية”.

يقول محمد، وهو اسم مستعار لرجل طلب عدم نشر اسمه: “طلبت من المسّاح مسح الأرض التي ورثتها منذ 50 عاماً ، فقال لي أين أخوتك فقلت له أنّ المنية وافتهم. فحضر ابن أخي ليؤكد ملكيتي للأرض، لكن المسّاح قال لي احضر جميع أبناء أخوتك المسافرين، رافضاً أي افادة تثبت ملكيتي وهذا مخالف للقانون لأن على المسّاح أن يدوّن ما يقال له فقط لا أن يعقّد الأمور لكي يدفع له المال”.

وفي بلدة خربة سلم وقعت أخطاء كبيرة في عملية المسح، مثل اعطاء أكثر من عقار الرقم نفسه أو تسجيل عقار باسم غير اسم المالك الحقيقي، أو تسجيل العقار على اسم المورّث بهدف الانتقام من الورثة وهذا يؤدي الى العديد من النزاعات القضائية لتصحيح الأخطاء ورفع التعديات وتكليف الورثة مبالغ مالية لنقل ملكيتهم.

وقد طالت الشكوك بعض المخاتير، فمنهم من وجّه التهمة اليهم بوضع اليد على أملاك ليست له، سيّما الأراض المهملة أو المنسيّة، او المشاعات غير المحدّدة المساحة. ومن المضحك المبكي هو أنّ العديد من كبار السنّ، من أصحاب العقارات، ولتخفيف الأعباء المادية عن أولادهم بعد المسح، لجأوا الى تقسيم عقاراتهم قبل المسح وتوزيعها على أولادهم ثمّ مسحها بأسمائهم، لكنهم فوجئوا بعد حصول أولادهم على سندات التمليك بأن أولادهم تركوهم وشأنهم بدون الاهتمام بهم بسبب كبر سنّهم، بعدما حصلوا على ما يريدونه منهم. ومن المثير للريبة أن المختار هو الذي يحدّد العقارات الخاصة بالمشاع البلدي والمشاع الجمهوري، وأحياناً يكون للمسّاح المكلّف دور في ذلك، فيجمع ابناء صفد البطيخ على أن “المسّاح أقنع المختار بتحديد عقار على الشارع العام للبلدة على أنّه مشاع جمهوري وليس بلدي، لعدم التأكّد من ذلك، وبسبب الدعاوى المرفوعة على العقار للحصول على ملكيته، فالدولة أقدر على حماية العقار وتحمّل أعباء الدعاوى المرفوعة”.

ويؤكد الكثيرون أنّ المسّاحين المكلّفين حصلوا على أموال طائلة لقاء عملهم بمسح الأراضي، سيّما تلك التي تمّ تقسيمها وتحديدها من قبلهم قبل المسح. فيقول علي، وهو اسم مستعار أيضا خوفا من الملاحقة: “طلب منّي المسّاح دفع مبلغ مئتي دولار أميركي لقاء مسحه أرضي التي اشتريتها من أحد المتوفّين، وعندما رفضت ذلك قال لي عليك أن تحصل على تواقيع الورثة المهاجرين فاضطررت لدفع المبلغ، فبعض المسّاحين يعقدون الأمور اذا لم يتم ندفع لهم”.

ومن المخاوف أيضاً ان تكون بعض الأراضي المجهولة المالك قد ضمّت الى أراض خاصة ووضع اليد عليها من المشترين الجدد. وهذا الأمر قد يكون حصل لمشاعات البلديات المجهولة. وما يسهّل حصول ذلك أن كثيراً من الأراضي المباعة قد تمّ شراؤها دون تحديد لمساحتها عبر عقود ذكر فيها عبارة “بالغاً ما بلغت” أو “بحدودها الأربعة”. اضافة الى ذلك فإن البعض قد تعمّد شراء أراض مجاورة لأراضي المشاع البلدي المجهولة مساحته، لضمّ جزءاً من هذا المشاع الى ملكيته، بعدما يحصل على عقد بيع للأرض التي اشتراها والتي لم تحدد مساحتها في العقد.

ويقدّر مصدر بلدي أنّ “المبلغ الذي كان من الممكن أن يحصل عليه المسّاح العقاري من اصحاب عقارات البلدة كبدل عن انجاز عمليات الفرز وغيره بحوالي 3 مليون دولار، الاّ أننا استطعنا تخفيض هذا المبلغ كثيراً عن كاهل الأهالي، والذي قد يصل الى 700 ألف دولار”!!

لكن من الناحية القانونية يشرح المحامي حسين نور الدين أنّه “اذا تبيّن أن البناء مطابق للتصاميم حسب رخصة البناء تعطى رخصة الاشغال مجاناً، الاّ اذا كان يوجد تعديلات على البناء، وهذا لن يكلّف كثيراً، واذا تمّ مسح المبنى على أنه غير منجز سيضطرّ المالك الى الحصول على رخصة انشاء ورخصة اشغال، ، أمّا رخصة الانشاء فتعني انزال العقار المبني على الصحيفة العينية للعقار”، ويتابع: “الرسوم المتوجّب دفعها للحصول عليه هي 1 % من قيمة التخمين المالي للعقار”. وبالنسبة لعملية الفرز؟: “توجد مساحات دنيا للعقارات الممسوحة التي يسمح بفرزها، ففي مدينة النبطية مثلاً المساحة الدنيا 1200 متر مربّع، وهذه المساحة قد تزيد أو تقلّ بحسب البلدة أو المنطقة العقارية، ما يعني أنّ فرز العقار قبل مسحه فيه منفعة لاصحاب العقارات اذا كانت مساحة العقار أقلّ من المساحة الدنيا التي يسمح بفرزها بعد عملية المسح”.

ويذهب نور الدين الى أنه “على المسّاح مسح الأراضي بما عليها من انشاءات كما هو واقعها، ويستلم تصريحات الملاّكين بحضور المالك المفترض والمختار واصحاب العقارات المجاورة وكلهم يوقعون على المحضر، واذا اعترض احدهم، وإن لم يكن صاحب مصلحة، على المسّاح أن يدوّن هذا الاعتراض. ويدوّن العقار باسم المالك المفترض، الذي يكون في الأصل واضع اليد على العقار، واذا تعدّد حق وضع اليد فيقيّد الجميع كمعترضين والقاضي العقاري هو الذي يحدّد المالك. وليس للمسّاح رفض أي ادعاء على العقار، وغير ذلك ليس للمسّاح أي عمل آخر”. لكنّ نور الدين يقرّ بأن “الفرز العقاري قبل المسح يوفّر على اصحاب العقارات الكثير من المال، ويؤمن لهم فرصة تجاوز الحدود الدنيا للافراز”.

ويبيّن نور الدين أيضاً أن “المساحة مجّانية وكذلك المحاضر والدعاوى التي ترفع أمام القاضي العقاري، ولا يوجد أي نصّ قانوني يوجب على المسّاح طلب رخصة البناء أو رخصة الاشغال، ولا مشكلة قانونية في اجراء عملية الفرز وهي خارجة عن تكليف المسّاح”، ويستطرد: “أيّ عمل يقوم به المسّاح يجب ان يرفق بتوقيع المختار على المحضر ما يحمّله مسؤولية أي خطأ أو تلاعب”.

وبالنسبة لمهل الاعتراضات: “تبقى مفتوحة طيلة فترة عملية التحديد والتحرير، وبعد اختتامها من قبل القاضي العقاري بثلاثين يوماً فقط”. وفي ما يتعلّق بالأسعار التي يتم التوافق عليها مع المسّاح، فهذا امر مخالف للقانون، فالمسّاح لا يحق تقاضي أي مبلغ مالي أصلاً. ويعتبر نور الدين أن “الادعاء بأن البيوعات المتعددة للعقارات تستوجب رسوم انتقال وخلافه هو أمر غير واضح قانوناً”.

السابق
سلهب: لعودة الأمور الى إطارها القانوني
التالي
رحمة: لمعالجة قضية الاتصالات قضائيا

اترك تعليقاً