“الراي”: لبنان المطمئن لـ”عصيانه” على الثورات مسكون بفراغ يستدرج… أخطاراً

بدت بيروت اخيراً اسيرة «فراغ» مسكون بهواجس استثنائية وسط ما يشبه «عمى الالوان» الذي يحول دون استشراف المستقبل القريب قبل البعيد، نتيجة المتغيرات التاريخية والعاصفة التي تدهم المنطقة وتلفح المحيط اللبناني، لا سيما سورية، البواية الاقليمية للبنان و… عليه.
ولبنان المطمئن الى «عصيانه» على ثورات شبيهة بتلك المتدحرجة من دولة عربية الى اخرى، يساوره فائض من القلق لشعوره بأنه في الوقت الذي يتقدم سواه الى الامام يتراجع هو الى الخلف، من دون اي قدرة له حتى على ترويض تداعيات المناخ العربي الجديد واستثماره.
وليس ادل على هذه المفارقة من انه في اللحظة التي تسقط انظمة وتقوم اخرى في المنطقة، يعجز لبنان السياسي حتى عن تشكيل حكومة، ويسلم امره لـ «الفراغ» في ظل منعطف اقليمي نادر اطل من تونس ووصل الى سورية بعدما عبر في مصر وليبيا واليمن، مما اوحى وكأن بيروت تدير ظهرها للمستقبل.
فهذه الـ «بيروت» الغارقة في زوبعة الفنجان الحكومي تسبح عكس التيار و«كأن شيئاً لم يكن» في المنطقة المصابة بـ «تسونامي» الانتفاضات الشعبية، تمضي في فراغ ملغوم غير آبهة لا بفتح شهية الاخرين على التعاطي معها كـ «خاصرة رخوة» ولا بالمفاعيل الاستراتيجية لما يدور حولها وانعكاساته.
وفي الامكان وبلا عناء «القاء القبض» على حجم «الضياع» في بيروت، في اي جولة على الصالونات السياسية المنتشرة على «ضفتي» الانقسام في البلاد، خصوصاً مع الاضطراب السوري الذي يتردد صداه في رحاب انتظار ما قد تؤول اليه اصلاحات الرئيس بشار الاسد واحتجاجات شارعه بعدما كسر صمته.
في واحد من اندية «14 آذار» شعور بوطأة الـ «غيبوبة» التي يعانيها الداخل نتيجة وجود الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي في ما يشبه «الاقامة الجبرية»، غير قادر على التقدم في اتجاه تشكيل الحكومة وغير قادر على الاعتذار، مما يضع البلاد فوق فوهة فراغ يصعب تقدير نتائجه السلبية.
وفي تقدير اوساط سياسية في هذا الفريق، انه لا بد من اطفاء الفراغ الحالي اما بتشكيل ميقاتي حكومته وإما بالتفاهم على «مانعة صواعق» مزدوجة، جزء منها حكومة انتقالية وجزءها الاخر كسر الصمت بين الافرقاء اللبنانيين ربما عبر العودة الى طاولة الحوار. فمن غير المنطقي استمرار خواء يستدرج الاخطار.
وثمة من يعتقد ان البديل عن ميقاتي لن يكون رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري، الذي ربما لا يرغب العودة الى رئاسة الحكومة بـ «شروط الاخرين»، لكن المخرج يمكن ان يكون بتكليف شخصية جديدة لتشكيل الحكومة للحريري «كلمة» في تسميتها، اذ بلغ ميقاتي الطريق المسدود وقرر العزوف عن مهمته.
وفي المنطقة الوسط بين معسكري الصراع «8 و14 آذار» ثمة من يرى في بيروت ان الجميع في مأزق يحتاج الى مخارج من خارج جدول الاعمال الحالي، فلا «الاكثرية الجديدة» قادرة على التفاهم حتى على حكومة احادية، خصوصاً في ظل انشغال سورية باضطرابها، ولا المعارضة الجديدة قادرة على المضي قدماً في معركتها لـ «اسقاط» سلاح «حزب الله» لاسباب كثيرة.
هذا المأزق استدركه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط في الحاحه على العودة الى «الحوار»، وسط افكار جديدة بدأ الترويج لها، ومنها امكان قيام حكومة تكنوقراط بالتوازي مع تعويم «طاولة الحوار» لملء فراغ المرحلة الانتقالية، ليس في لبنان بل في عموم المنطقة، وهو الامر الذي يجنب لبنان المزيد من الاهتراء الداخلي والاخطار الخارجية المحتملة.
غير ان اوساط في نادي «8 آذار» تبدي ميلاً لوصف مناقشات من هذا النوع بـ «الترف» الذي لا طائل منه، فهي غير مستعدة للقيام بأي خطوة «الى الوراء» بعدما تقدمت في اتجاه القبض على السلطة من خلال الاكثرية الجديدة التي تم استيلادها بارادة استراتيجية لا تقبل اي نوع من المساومات السياسية.
وتوحي هذه الاوساط بان ما يعوق ولادة حكومة ميقاتي لا يتصل برغبات جامحة للامساك بهذه الحقيبة او تلك، بل بقرار من «8 آذار» وفي مقدمها «حزب الله» بعدم التهاون في الامساك بقرار الحكومة وعلى نحو حاسم من خلال الامساك بالثلثين من دون اي نقصان، مما يتيح امرار اي قرار تريده الاكثرية الجديدة لا اكثر ولا اقل.
وكانت تقارير اشارت في بيروت الى ان ميقاتي الذي كان حدد لنفسه الثلاثاء، موعداً لعرض تشكيلته الحكومية على الرئيس ميشال سليمان، أعد صيغة من 24 وزيراً لإعلانها كحكومة «امر واقع» قبل ان يعدل عن ذلك يناء على نصيحة أطراف الاكثرية الجديدة.
وذكرت صحيفة «النهار» ان التشكيلة كانت موزعة كالآتي:
* السنّة: ميقاتي، محمد الصفدي، وليد الداعوق، علاء الدين ترو وسني خامس قيد البحث غير فيصل كرامي الذي يصر «حزب الله» على توزيره.
* موارنة: جبران باسيل، زياد بارود، شكيب قرطباوي، ناظم الخوري، سليم كرم أو ميشال كلاسي.
* شيعة: ياسين جابر، محمد خليفة، محمود بري، محمد فنيش، حسين الحاج حسن أو طراد حمادة.
* ارثوذكس: فايز غصن، نقولا نحاس، مروان ابو فاضل.
* دروز: غازي العريضي ووائل ابو فاعور.
* كاثوليك: نقولا فتوش، أرليت جريصاتي او موريس صحناوي.
* أرمني وآخر للاقليات.
وعلى وقع الجمود في الملف الحكومي، برز موقف دولي من هذه القضية خلال المشاورات التي أجراها اعضاء مجلس الامن في الجلسة المغلقة التي استمعوا خلالها الى احاطة من المنسّق الخاص للامم المتحدة في لبنان مايكل وليامز عن تنفيذ القرار 1701.
وتمنى اعضاء مجلس الامن ان يتمكن ميقاتي من تذليل الصعاب في «اسرع ما يمكن» لتأليف حكومة جامعة تلتزم واجبات لبنان حيال الشرعية الدولية، ومنها المحكمة الخاصة بلبنان، فيما حذّر وليامز من «انعكاسات سلبية ممكنة» لاحداث المنطقة، ولا سيما سورية، على لبنان، معلناً أنّ «الأمم المتحدة تنتظر بفارغ الصبر تشكيل الحكومة»، ومشدداً على وجوب «أن تأخذ هذه الحكومة في الإعتبار أولويات الشعب في مجال الاستقرار السياسي والأمني، وأيضا في مجال المتطلبات الإجتماعية والاقتصادية»، وكذلك «أن تلتزم الحكومة اللبنانية الجديدة بموجبات القرارات الدولية حيال لبنان وأن تفعّل أطر مراقبة الحدود اللبنانية».
وذكرت تقارير في بيروت، ان المناقشة في شأن تنفيذ القرار 1701 جرت هذه المرة على خلفية اجواء ما يحصل في الشرق الاوسط، اضافة الى ازمة تأليف الحكومة، حيث علّق عدد من الديبلوماسيين آمالاً على «تأكيدات الرئيس ميقاتي لالتزامه الشرعية الدولية وقرارات مجلس الامن المتعلقة بلبنان، ومنها ما يتعلق بالمحكمة الخاصة بلبنان».
ولفتت اشارة وليامز بعد الاجتماع إلى «التغييرات الهائلة والإنتفاضات في كل أنحاء المنطقة»، وتأكيده في الوقت عينه أنّ «لبنان يبقى أولوية على أجندة مجلس الأمن» رغم هذه التطورات الإقليمية».
في هذه الأثناء، استمرّت في بيروت تفاعلات اتهام فريق 8 آذار لقوى 14 آذار ولا سيما «تيار المستقبل» (يقوده الرئيس سعد الحريري) بالتورط في الاضطرابات في سورية عبر نقل السلاح (من طرابلس) او التمويل.
ووسط نفي التلفزيون السوري أن تكون دمشق قبضت على أي أسلحة او اتهمت أحدا بإرسالها، استوقف الدوائر السياسية تمنّي «كتلة المستقبل» بعد اجتماعها الأسبوعي برئاسة النائب فؤاد السنيورة «للشقيقة سورية أن تجتاز هذه المرحلة سريعاً في ظل الأمن والسلام والخير والتقدم»، مشيرةً إلى وجود «محاولات لزج لبنان في ما يجري في المنطقة العربية والادعاء زوراً، أن بعض القوى السياسية فيه تشكل مصدراً للسلاح أو التحريض لزعزعة الأمن والاستقرار في سورية»، ونافية «هذه الادعاءات التي قد يكون الغرض منها استعمالها في التجاذبات السياسة الداخلية اللبنانية».
كما برز اعلان النائبة بهية الحريري أن التعرض لسورية «ولو بكلمة هو أمر مستنكر ومرفوض رفضاً باتاً لأنها دولة نحترمها».
وانتقدت الامانة العامة لقوى 14 آذار «حملة التحريض على القوى الاستقلالية».
من ناحيته اعلن البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي انه شخصياً «ضد حكومة اللوان الواحد لانها ضد الدستور ومع حكومة تكنوقراط اذا كان متعذرا ارضاء الطبقات السياسية عبر المحاصصة لحين الاتفاق على هذه المشاركة كي لا اقول محاصصة».

السابق
” البعث”: شخصيات لبنانية: استقرار سورية ضرورة وحاجة عربية
التالي
“الجريدة”: ميقاتي ينتظر إيضاحات محددة من حزب الله