«مالڤا» رواية تخلّي بابلو نيرودا عن طفلته المشوّهة

أنا أرغب أن أعرّفكم على أهم شخص في حياتي، شخص أخفيت وجوده سنوات طويلة لتختمر المفاجأة وتتعتّق. أيها السيدات والسادة: ها هي أخيراً، تلك التي رأيتموها منذ قليل ترقص على الطاولة، إنها ابنتي الرائعة "مالڤا" مارينا".

“سيداتي، سادتي، ربما يكون الأمر قد تأخّر كثيراً، لكن ها إنّ اللحظة حانت في النهاية، أنتم لا تعرفون سبب دعوتكم لهذا الحفل، تعتقدون أنكم جئتم لتوديعي قبل مغادرتي مدينة مكسيكو الرائعة (ثم يقول بعض العبارات بحق مكسيكو)، لكنني في الحقيقة ضللتكم ودعوتكم لسبب مختلف تماماً، بدافع الرغبة في مفاجأتكم. في الحقيقة أنا أرغب أن أعرّفكم على أهم شخص في حياتي، شخص أخفيت وجوده سنوات طويلة لتختمر المفاجأة وتتعتّق. أيها السيدات والسادة: ها هي أخيراً، تلك التي رأيتموها منذ قليل ترقص على الطاولة، إنها ابنتي الرائعة “مالڤا” مارينا”.
هذا هو المقطع الأخير، الذي يشكل نهاية رواية “مالڤا”، للشاعرة الهولندية هاخر بيترز؛ بل هذا هو الاعتراف الكامل العلني، الواضح والصريح، الذي يمثّل الهدف الأساسي لكتابة هذه الرواية – كما ينضح به كامل مضمونها – وهو هدف قد حققته بيترز – بقدرة إبداعية فائقة – وعلى نحو قاطع وحاسم، في روايتها الأولى هذه التي حازت “جائزة فنترو للأدب” 2016، والتي صدرت ترجمتها العربية بقلم لمياء المقدّم، عن “دار الساقي” في بيروت، في طبعة أولى 2018.

اقرأ أيضاً: أنا ابنُ هاجَرَ…

أجرت الكاتبة هذا الاعتراف في الرواية على لسان بابلو نيرودا في خطبة له، في حفل “روائي” مهيب أقامه المكسيكيون في مدينتهم لتكريمه حضرته ابنته/ الطفلة مالڤا، التي رقصت نشوانة من السعادة التي غمرتها، بفرحها بوالدها، الذي رأته في هذا الحفل. “يجلس أبي كملك على رأس الجمع” هكذا هتفت.
وضعت بيترز هذا العمل الروائي، من أجل الكشف عن قضية إنسانية حساسة، متمثلة بتخلي شاعر تشيلي العظيم بابلو نيرودا، عن طفلته الوحيدة التي ولدت معوّقة لإصابتها بمرض قاتل لا شفاء منه مطلقاً. إذ إنه آثر عدم تكفُّل أعباء رعايتها التي تتطلّب، عناية دقيقة وشاملة طوال الوقت. كان لهذا التخلي وقْع المفاجأة الصادمة في نفس الكاتبة بعد اكتشافها له، إذ إنه ترك تأثيراته الشعورية الحادة على وجدانيّتها الإبداعية خصوصاً وأنه صادر، عن شاعر كبابلو نيرودا، هو المبدع العظيم بحق، والمشهود له بأنه، سخّر إبداعه الخلاّق والإنساني لمناصرة الضعفاء والمظلومين في وطنه وفي العالم.
التلاوين الوجدانية الصِّرفة لـ”بيترز” تهيمن على عالم “مالڤا” الرّوائي برمته، خصوصاً وأنها أجرت الخطاب أو القول الروائي على نحو أصح، بصوت/ضمير المتكلّم (الأنا – الضحية)، أي صوت مالڤا بطلة هذه الرواية، التي تدور حول ثيمة التخلي. وما يسجّل للكاتبة هنا، أنها استطاعت أن تستحضر روح بطلتها، وأن تجعلها تنطق بما يمكن أن يعتمل في كيانها الذاتيّ (عاطفياً) وموضوعياً (واقعياً) تجاه واقعة تخلّي والدها عنها. واستطاعت الكاتبة بذلك أن “تُعايش” “مالڤا” روائياً، في عالم ما بعد الموت، (كما تسمّيه) أو عالم ما وراء الطبيعة “بمحتوياته” الهلاميّة/اللامرئيّة زماناً ومكاناً وشخصيات وأحداث… أي أن الكاتبة استطاعت أن تعايش بطلتها في الواقع الذي هو، في الحقيقة، “اللاّواقع” لأنه عالم متخيّل/ عالم روائي/ ورقي كما لو أن مالڤا حيّة تُرزق.

كتاب مالفا
والتقنيات الروائية لـ”مالڤا” عديدة أهمها: “المونولوج الداخلي” الذي استحوذ على معالم معظم التشكيل الروائي هنا، إضافة إلى “الديالوغ”، والوثيقة التاريخية (كالنصّ الشّعري، والنص الصحافي… إلخ) فالشاعر وخطؤه الإنساني، هي – وكما نُسمّيها هنا – الحالة التي تُصوّرها هذه الرواية بنجاح لافت، وهي التي تسجِّل ملامح أساسية من السِّير الذاتية لشخصياتها المحورية على وجه الخصوص، والتي من بينها الزوجة الأولى لنيرودا أمّ مالڤا.

اقرأ أيضاً: مذكرات نقيب أرمني قاتل إلى جانب الجيش العثماني

ما حاولت الكاتبة إظهاره، واستطاعت ذلك، هو الفرق أو التمييز ضمناً بين خلودين: الخلود الإبداعي للأبّ الذي هو خلود جزئيّ – على ما يبدو هنا – وما نراه نحن أيضاً على أنه كذلك، بالفعل؛ والخلود الإنساني العام المتمثل هنا بالخلود المأساوي لحقيقة معاناة مالڤا، الذي هو خلود أشمل وأعمق من الخلود الأول وأبعد أثراً، بأبعاده كافة.
ولدت مالڤا مصابة بعاهة الداء الاستسقائي في الرأس، وكانت حالة ميؤوساً من شفائها، وفي الثانية من عمرها سفّرها أبوها مع أمّها إلى برشلونة، ثم انتقلتا إلى لاهاي، حيث سلّمتها أمّها إلى عائلة تبنَّتها في مدينة خودا القريبة من لاهاي، حيث تُوفيت بدائها، لدى بلوغها الثامنة من عمرها في العام 1943، ودفنت في مقبرة خودا، حيث اكتشفت الكاتبة والمترجمة الهولندية جيني كلاستر (صديقة هاخر بيترز)، قبر مالڤا، الذي تمّ التعرّف عليه “كقبر الابنة الوحيدة للشاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا”. وهذا الاكتشاف الذي حصل في الـ2004، هو الذي “كان حافزاً لكتابة هذه الرواية”.

آخر تحديث: 26 أكتوبر، 2018 12:45 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>