عن الاستحقاق وتدني المشاركة وأحوال المعارضة في انتخابات الـ2018

تدنت نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية اللبنانية التي جرت بتاريخ السادس من أيار 2018 إلى 49.67 في المئة من الناخبين المسجلين في لوائح الشطب بعد أن بلغت 54 في المئة في انتخابات عام 2009. في الانتخابات الأخيرة اقترع 1861203 ناخبين من أصل 3746483 ناخباً. وذلك على الرغم من إقرار السلطة نظاماً انتخابياً يعتمد النسبية الطائفية بالإضافة إلى الصوت التفضيلي بحجة رفع نسبة المشاركة.

بلغ عدد الأوراق البيضاء 15029 صوتاً أي ما نسبته 98% من عدد المقترعين وأصحابها يعبرون من خلالها عن رفضهم للنظام الانتخابي أو للوائح المرشحة.

وبلغ عدد الأوراق الملغاة 38909 أصوات أي ما نسبته 2.18% من أصوات المقترعين ويعني ذلك بشكل رئيس عدم دراية المقترعين بآلية عمل النظام الانتخابي المعتمد.

الاستحقاق

لماذا نفذت السلطة الاستحقاق الانتخابي الأخير بعد تمديدات ثلاثة منذ عام 2009؟ جرت انتخابات 2009 إثر الحل الذي توصل إليه الفرقاء اللبنانيون بعد أحداث عام 2008، إلا أن نتائج تلك الانتخابات لم ترس توازنات جديدة تسمح لأحد الأطراف بالهيمنة منفرداً أو بالشراكة مع طرف آخر على السلطة. لكن ما حصل خلال السنوات التسعة الأخيرة، من تطورات إقليمية (الحرب السورية) ونزاع داخلي أوصل إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، وحاجة بعض الأحزاب إلى مزيد من الشرعية الدستورية، ما دفع أكثر من طرف إلى وضع الاستحقاق النيابي على نار حامية، وأوصل أركان السلطة إلى الاتفاق على نظام انتخابي يسمح لكل مكون طائفي بتمديد حجمه فعلياً وحجم كل قوة داخل المكون الطائفي نفسه، وتسمح للبعض بمد اليد إلى حصص الطوائف الأخرى.

اقرأ أيضاً: رئيس منتدى صور الثقافي عبد الناصر فرّان: القانون الانتخابيُّ الحاليُّ هو غير ديموقراطيّ

لذلك كان الهدف الأساس، عودة كل مكون من مكونات السلطة لاكتساب الشرعية الطائفية المذهبية والتي من خلالها يتمثل في مؤسسات السلطة بالحجم الذي حصل عليه في الانتخابات النيابية في طائفته أولاً وفي الاختراق الذي يمكن أن يحدثه في أجساد المكونات الأخرى. وهذا ما يفسر حدة الخطابات السياسية التي استخدمها جميع الأطراف المشاركة في الانتخابات، كل من موقعه الطائفي والمذهبي. فقد عمد كل طرف إلى خطاب يسعى إلى تخويف جمهوره من الجمهور الآخر وتخوين الآخر بموضعه من قضايا المكون الأول.

فالمكون المسيحي رفع من حدة خطابه دفاعاً عن حقوق المسيحيين المسلوبة من الآخر والآخر يعني المكونات الإسلامية المستندة إلى اتفاق الطائف. أما المكون السنّي فاعتمد خطاباً ارتكز إلى تخويف الجمهور من محاولة تغيير هوية البلد واتهام حزب الله وطهران بذلك. أما المكون الشيعي فاستخدم المقدسات والأئمة والتكليف الشرعي من أجل دعم لوائحه واتهام كل من يعارضه بالعمالة لإسرائيل ومحمد بن سلمان وغيره، في حين ارتكز الخطاب الدرزي على أهمية الدفاع عن الوجود كطائفة. واستطاع هذا الخطاب السياسي الواحد الأهداف من أن يسود ويأتي بثماره في مستوى بدت فيه ممارسات التشبيح وارتكاب المخالفات والتزوير وكأنها ممارسات ثانوية وتأثيرها ثانوي أيضاً. وسلكت المكونات الأساسية في كل طائفة من الطوائف وفي أماكن تواجدها الصافي سلوكاً ديكتاتورياً واضحاً، ولم يسمح أي مكون منها لوجود أية معارضة جدية في المناطق الصافية طائفياً. فإذا كانت المجتمعات العربية تعاني من وجود حاكم مستبد، فإننا نعاني من وجود عدد من الحكام المستبدين. ونذكر في هذا المجال ما حصل مع المرشحين نبيل بدر ورجا الزهيري في بيروت وما حصل مع المرشحين علي الأمين وريما حميد ومرشحي منطقة صور – الزهراني في الجنوب، وما حصل في الشويفات ومناطق الشوف من دون أن ننسى ما حصل في زحلة بين أطراف المكون المسيحي.

ماذا عن المعارضة؟

شهدت الانتخابات النيابية الأخيرة أنواعاً مختلفة من المعارضات، منها ما هو معارضة من نفس الموقع الطائفي في محاولة للحصول على حصة ما من التمثيل المذهبي والطائفي، وذلك بالاستقواء بطرف طائفي آخر في وجه المكون الطائفي الذي ينتمي إليه، في حين بدت أن هناك محاولة للاعتراض على بعض النظام الطائفي والنظر وكأن المشكلة من بعض أركان المحاصصة وليس بالنظام الطائفي السائد.

شؤون جنوبية168

ثم هناك معارضة طرحت شعار التغيير من خلال حجب الثقة عن مرشحي السلطة ولوائحها واقترعوا على خلفية معارضة الطبقة السياسية اللبنانية. وهذه المعارضة مكونة من بقايا العناصر الوطنية وتيار اليسار الشيوعي ومؤيدي لوائح المجتمع المدني يضاف إليهم الذين اقترعوا بالورقة البيضاء وبلغ مجموعة ما حصلت عليه هذه المعارضة في كل لبنان 99053 صوتاً أي نسبة أصوات لا تتجاوز 5.32% من المقترعين. في حين حصل مرشحو اليسار الشيوعي على 12242 صوتاً وهو أقل من الحاصل الانتخابي العام على الصعيد اللبناني والذي بلغ 14226 صوتاً.

اقرأ أيضاً: شباب من الجنوب: للتحرّر من سلطة الأحزاب والاتجاه نحو التغيير

هذه الصورة المرسومة تطرح سؤالاً إذا كان النظام الانتخابي المعتمد هو المشكلة أم أن المشكلة تكمن في مكان آخر؟

أعتقد أن المشكلة تكمن في تراجع وتأخر البنى الاجتماعية وتخلفها بشكل واضح وجلي. تراجع هذه البنى إلى المكونات الأولية للمجموعات المقيمة في لبنان. في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بدا أن المجتمع اللبناني قد اكتسب وحده شعبية لكنها يبدو أنها كانت هشة، كانت الاختلافات لها مظاهر سياسية، لكن الحروب الأهلية أطاحت بهذه الوحدة الهشة، وكان تتابع هذه الحروب يؤدي إلى مزيد من التمزيق والتشرذم والانقسام، الحرب الأولى 1975 – 1976 وتبعها حروب طائفية متواصلة برعاية سورية حتى عام 1982، ثم حرب إسرائيلية أجرت جراحات عميقة في لبنان تبعها حروب مذهبية وطائفية برعاية إقليمية وصولاً إلى الوضع الحالي، وعند كل حرب كانت البنى الاجتماعية اللبنانية تتراجع أكثر فأكثر حتى وصلنا إلى هذا المستوى الخطير الذي لا يجد الإنسان نفسه إلا في حيز مذهبه أو عشيرته.

هذا الواقع يطرح على الملتزمين بخيار التغيير الفعلي ضرورة تأسيس معارضة فعلية جديدة تفسح في المجال أمام بناء مساحات مشتركة أمام اللبنانيين، وتستطيع هذه المعارضة أن تكون خياراً بديلاً لهذه السلطة والطبقة السياسية اللبنانية.

(هذه المادة نشرت في مجلة “شؤون جنوبية” العدد 168 صيف 2018)

آخر تحديث: 15 سبتمبر، 2018 1:07 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>