فيضان الزهراني يذهب هدراً إلى البحر

من يراقب مجرى نهر الزهراني بين قرى وبلدات عربصاليم وحبوش وحومين الفوقا بعد العاصفة الثلجية الأخيرة يتهيب هدير مياهه وتلاطمها بين صخوره، ويحسبه نهراً عظيماً دائم الجريان، لا ينضب صيفا شتاء، كجاره نهر الليطاني. لكن بكل أسف فإن هدير النهر لا يحصل إلا موسمياً. فسرعان ما يخبو رويداً رويداً، ليزول أثره بجفاف النهر نهائياً، قبيل فصل الصيف.

مصدر مياه النهر هو فيضان نبع الطاسة من كميات الأمطار والثلوج المتساقطة على تلال ومرتفعات منطقة إقليم التفاح التي تعلوه من جهة الشرق، وكأن فيضانه يستصرخ وزارة الطاقة والمياه والمسؤولين السياسيين المعنيين والنواب الجنوبيين للإسراع في إقامة السدود على مجرى النهر المذكور لحصرها داخلها والاستفادة منها، كي لا تذهب هدراً إلى البحر أسوة بمياه الأنهار اللبنانية الأخرى، لأن أهالي المنطقة المجاورة بحاجة ماسة لري مزروعاتهم بواسطتها، والتمتع بها في فصل الصيف، وتحويل ما يفيض منها إلى القرى والبلدات العطشى في المناطق القريبة والبعيدة. ويطالب أبناء منطقتي إقليم التفاح والنبطية المسؤولين في وزارة الطاقة والمياه والسياسيين المعنيين بحفظ هذه المياه إبان فصل الشتاء، وذلك من خلال بناء السدود المذكورة في المنطقة، لما فيه مصلحتهم جميعاً، وإنعاش الحياة والبيئة والطبيعة على ضفتيه، وليس بسحب ما تبقى منها بواسطة الأنابيب، لما سيلحقه ذلك من أضرار فادحة ستصيب المنتفعين بمياهه من أهالي إقليم التفاح آجلاً أم عاجلاً.
بلدية عربصاليم كانت قد أعدت في وقتٍ سابق دراسة حول تطوير مياه نهر الزهراني في منطقة الوادي الأخضر للاستفادة منها إبان فصل الشتاء، كما يقول رئيسها محمود حسن، وذلك من خلال إنشاء ثلاث بحيرات خلف ثلاثة سدود صغيرة في وادي مجرى النهر. وتشير الدراسة إلى وجود كمية 25 مليون متر مكعب من المياه بين منتصف الستينيات ومنتصف السبعينيات في الوادي، مستندة في ذلك إلى الراصد المائي لمصلحة مياه نبع الطاسة ومصلحة الليطاني، أي قبل الاستغلال شبه الكامل لهذه المياه، وبحسب تلك الدراسة تبين أنه بالإمكان حفظ كمية مليون متر مكعب من المياه من خلال بناء سدين أو ثلاثة سدود صغيرة من الإسمنت أو الردم، وفق المواصفات الفنية العالمية الحديثة في عدد من الأماكن المناسبة في الوادي، وقدّرت كلفة هذا المشروع بحوالي مليوني دولار أميركي في منتصف العقد الماضي. بدوره يؤيد رئيس «اتحاد بلديات منطقة إقليم التفاح» محمد دهيني إنشاء السدود اللازمة في مجرى نهر الزهراني، بهدف إنعاش ضفتيه والحفاظ على اخضراره وازدهاره على الأصعدة السياحية والاقتصادية والزراعية التي تعود بالنفع على أهالي المنطقة، لافتاً إلى أن المجرى المذكور هو من أجمل الأودية والمتنزهات في منطقة الجنوب، وهو المتنفس الوحيد لأهالي إقليم التفاح. ويشير إلى سحب ما نسبته 95 في المئة من مياه النبع حتى اليوم، ما ألحق الضرر بالبيئة والطبيعة الجميلة في الوادي، وحوّلها من الاخضرار إلى اليباس، في غياب خطة لإقامة عدد من السدود المقترحة في حوضه، والتي يمكن من خلالها إعادة الرونق والحياة إلى الوادي المنكوب، بعدما كان لفترة خلت الوجه المميز للمنطقة على صعيد السياحة والطبيعة الجميلة.
ويرى دهيني أن من حق أهالي البلدات المجاورة الذين يعانون من الضيق الاقتصادي الاستفادة من مياه النهر، لري المزروعات وإقامة المتنزهات واستعمالها في مختلف الأصعدة.
ما من نبع في لبنان عومل بالفوضى والقسوة التي عومل بها نبع الطاسة، بعدما سحبت مياهه إلى مناطق غنية جداً بالمياه الجارية، وأخرى تحتوي أرضها على مياه جوفية، ويتيسر حفر الآبار فيها، بدلاً من إنشاء عدد من السدود على طول مجراه لحفظ المياه فيها، وفق رئيسة «جمعية نداء الأرض» في منطقة إقليم التفاح زينب مقلد، التي تساءلت عن هذا التركيز الظالم على النبع؟ وكأن هناك نية مبيتة للقضاء عليه وحرمان المنطقة مما يميزها اصطيافاً وسياحة وطبيعة جميلة، وهذا النبع ذكره المؤرخون والرحالة وأبدعوا في وصف جماله لكونه يشبه قطعة من الجنة.
وتحذر مقلد من الآثار البيئية والمناخية المدمرة التي ترتبت على سحب مياه النبع بكاملها، وقد أصبح كل ما حوله يباساً بعدما كان يضج بالحياة، مطالبة بإعادة النظر في عدد من المشاريع التي تستفيد منها بعض المناطق من مياه الزهراني، لا سيما منطقة شرق صيدا التي بالإمكان تغذيتها من مشروع آبار مجدليون التي حفرت في وقتٍ سابق ولم تستغل حتى الآن، والتي يقدر الاختصاصيون وجود كميات وفيرة من المياه فيها تفوق كميات مياه نبع الطاسة بأضعاف مضاعفة، إضافة إلى المشاريع التي نفذت في محيط منبعه، إلا بموجب دراسة منظمة وتخطيط يراعيان حقوق السكان وإقامة السدود اللازمة في محيطه، لأنها الحل الوحيد للحفاظ على مياهه إبان أشهر الشتاء بدلاً من ذهابها هدراً إلى البحر.

آخر تحديث: 31 يناير، 2015 3:20 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>