ابعد قرابة خمسة شهور على تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تأليف الحكومة، ولدت حكومة لبنانية وصِفت بأنها الأغرب في تاريخ لبنان لجهة كسر عُرف تساوي الحصص الوزارية المارونية والسنّية والشيعية، لمصلحة الطائفة السنية، فضلاً عن حصول «حزب الله» وحلفائه على أكثرية في التشكيل، رغم سعيهم إلى تجنّب تمثيل طاغٍ في الحكومة، يشغلهم بالخدمات عن السياسة، ويضعف موقعهم «المعارض». هذه النتيجة دفعت ميقاتي الى افتتاح عهده الجديد بزيارة غير رسمية للسعودية، لأداء مناسك العمرة، ولسان حاله يردد قوله تعالى «ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير»، داعياً الله ان تنال هذه الحكومة تفهماً سعودياً، ولو بالحد الأدنى. لكن الاستجابة في علم الغيب.
الإسراع في تشكيل الحكومة اللبنانية نُسِب الى «التضحية الشيعية» بالوزير الشيعي السادس، واتصالات الساعات الثماني والأربعين التي سبقت التشكيل، واجتماع «المصادفة» بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والمعاون السياسي للأمين العام لـ «حزب الله» الحاج حسين خليل، لحل عقدة التمثيل السني. لكن الأرجح ان التشكيل السريع جاء استجابة للظروف التي تمر بها سورية.
لا شك في ان هذا الترجيح لم يأتِ من مسارعة الرئيس بشار الأسد ليكون أول المهنئين، او تشديد ميقاتي على تحرير ما تبقى من أرض محتلة، وحرصه على أن «أول زيارة ستكون للجنوب وشعبه الصامد»، أو تكثيف تمثيل سنّة الشمال، طرابلس، على حساب سنّة بيروت وصيدا، واختيار نواب من بيروت ليس لهم تمثيل يذكر، او الحديث الفضفاض لنجيب ميقاتي عن المحكمة الدولية، وسلاح «حزب الله»، هذه كلها مؤشرات الى هدف التشكيل، لكنها ليست دافعاً حاسماً إلى تعجيله.
استعجال تشكيل الحكومة اللبنانية جاء بتوجيه من دمشق، مفاده ان بقاء لبنان بلا حكومة سينعكس سلباً على دعم سورية في أزمتها. فهذا الفراغ، إن استمر، سيفضي الى وضع سياسي يزيد إرباك الداخل السوري، ويسمح لبعض القوى اللبنانية بالوقوف مع الشارع السوري، وطالما ان سورية اتخذت قراراً بالحسم العسكري لإنهاء التظاهرات، لا بد من حسم سياسي في لبنان، وتشكيل حكومة مواجهة لبنانية، تحسباً للظروف الإقليمية والدولية المقبلة.

