وعود الإعمار المؤجلة: كيف كشفت حرب التعويضات أزمة «الحزب» المالية وانحسار إمداداته؟

الضاحية الحرب

يدخل ملف تعويض المتضررين من الحرب الإسرائيلية الأخيرة في لبنان مرحلة جمود واسعة النطاق، في ظل غياب أي آلية تنفيذية واضحة أو خطة زمنية معلنة لصرف المستحقات، سواء من جانب مؤسسات الدولة اللبنانية أو من قِبل قيادة «حزب الله».

وبينما تنشط بعض الكيانات المحلية في إجراء عمليات مسح ميداني للأضرار، يواجه آلاف المواطنين مصيراً معلقاً بانتظار إعلان رسمي يُنهي معاناتهم، في وقت تُرجع فيه قراءات متقاطعة هذا التأخير إلى عجز مالي عام يطوق الدولة، بالتوازي مع أزمة تمويل عميقة يواجهها الحزب نتيجة المتغيرات الإقليمية الأخيرة.

البيئة الحاضنة للحزب.. مراجعات وتأخير في المسح

نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» عن مصادر مطلعة من داخل الضاحية الجنوبية لبيروت تأكيدها أن «حزب الله» لم يبدأ حتى الآن بصرف التعويضات المالية للمتضررين، ما يعكس بقاء الملف خارج نطاق التنفيذ بانتظار استكمال سلسلة من الإجراءات والترتيبات الداخلية.

وأوضحت المصادر للصحيفة أن آلية التعويض لا تزال قيد الدراسة والمراجعة الدقيقة داخل الجهات المختصة في الحزب، حيث يجري التدقيق في الملفات المرفوعة دون اتخاذ أي قرار نهائي بالبدء الفعلي في عملية التسييل والدفع المالي.

شهادات المتضررين.. غياب التعويضات وبدل الإيواء

على المقلب الميداني، يعكس واقع الأهالي في المناطق المتضررة حالة من الإحباط والترقب نتيجة غياب المساعدات الأساسية.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «الشرق الأوسط» عن مصدر محلي من سكان الضاحية الجنوبية (فضّل عدم الكشف عن هويته) شهادته حول الواقع المعيشي، حيث ركّزت الإفادة على النقاط التالية:

  • جمود تام وغياب لبدل الإيواء: أكد المصدر أن ملف التعويضات يمر بحالة جمود كامل، مشيراً إلى أنه لم يتلقَّ أي تعويض مالي أو حتى “بدل إيواء” مؤقت، على الرغم من تعرض منزله الكائن في حارة حريك لدمار جزئي، ووقوع أضرار مماثلة في منزله الثاني الواقع في إحدى بلدات قضاء النبطية بجنوب لبنان.
  • الفارق عن حرب 2024: أوضح المتضرر أن بعض البلديات اكتفت بإجراء كشوفات أولية لتوثيق الأضرار للخطوات اللاحقة، مستغرباً عدم قيام «حزب الله» بأي مسح ميداني أو خطوة عملية حتى الآن، على العكس تماماً مما جرى عقب انتهاء حرب عام 2024.
  • ضبابية المشهد: أشار المصدر إلى أن المزاج العام لدى السكان يتعامل مع الواقع بحذر، باعتبار أن التداعيات الميدانية والسياسية تجعل الملف مؤجلاً بالكامل، وسط غياب تام لأي معلومات رسمية توضح الآلية المعتمدة وموعد بدء الصرف.

أزمة السيولة وتراجع الدعم الإقليمي

في إطار تفكيك الأسباب الكامنة وراء هذا التأخير، قدمت أستاذة علم النفس الاجتماعي، الدكتورة منى فياض، قراءة تحليلية لصحيفة «الشرق الأوسط»، اعتبرت فيها أن العجز الراهن يتجاوز المسائل الإدارية والتنظيمية؛ بل هو مؤشر على أزمة مالية هيكلية يعيشها الحزب.

وتلخصت رؤية الدكتورة فياض في النقاط التالية:

  • إعادة ترتيب الأولويات: ترى فياض أن الحزب يمر بضائقة مالية متزايدة فرضتها الضغوط الإقليمية، مما دفعه لإعادة جدولة نفقاته؛ حيث جرى حصر الموارد المتاحة لتأمين المصاريف الأساسية مثل الرواتب والمساعدات العينية المحدودة، مع تأجيل الملفات الضخمة التي تتطلب سيولة نقدية هائلة وفي مقدمتها التعويضات.
  • انحسار النفوذ والتضييق المالي: ربطت فياض بين تراجع نفوذ طهران في ساحات حيوية مثل سوريا والعراق، وبين القدرة المالية للحزب في لبنان، مؤكدة أن التضييق الدولي المستمر على خطوط الإمداد والبنية التحتية للمؤسسات المالية المرتبطة بالحزب جعله يستهلك مخزونه الاستراتيجي من الموارد الأساسية تحت رقابة مشددة.
  • موقف البيئة الحاضنة: وأشارت إلى أن حالة الاعتراض داخل البيئة المجتمعية للحزب لا تزال مضبوطة ومحدودة؛ نظراً لإدراك الأهالي بأن الدولة اللبنانية تعاني بدورها من إفلاس وعجز تام يمنعها من تقديم أي بديل إنقاذي، ما يجعل الانتظار هو الخيار الوحيد المتاح أمامهم.

ويتقاسم المتضررون من الحرب الأخيرة في لبنان عبء الانتظار بين دولة تقر صراحة بعجز خزائنها وعدم امتلاكها الإمكانات المالية لإطلاق مسار الإعمار، وبين «حزب الله» الذي يبدو أن حساباته المالية والسياسية بعد المتغيرات الإقليمية لم تعد تتيح له تقديم استجابة سريعة وشاملة كما كان يفعل سابقاً. وأمام هذا المشهد، يبقى ملف التعويضات رهين التسويات الكبرى وتأمين خطوط تمويل خارجية، في حين يستمر آلاف المواطنين في مواجهة تداعيات الدمار دون مأوى أو بدائل حكومية ملموسة.

السابق
الرئيس بري يكشف نصائحه لرئيس الجمهورية وتفاصيل لقائه الصريح مع وزير الخارجية السوري
التالي
وفود عسكرية واقتصادية أميركية إلى بيروت لبحث حاجات الجيش وفتح الأجواء وإطلاق مؤتمر الاستثمار