لم تعد التقييمات الأشد إفصاحاً وخطورة بشأن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بإيران تصدر عن المحللين المستقلين أو مراكز الأبحاث والمؤسسات الدولية فحسب، بل باتت تتردد بشكل متزايد وصريح على ألسنة أبرز خبراء الاقتصاد والمسؤولين التنفيذيين داخل هرم السلطة ونظام الولي الفقيه نفسه.
وترسم هذه التحذيرات الاستثنائية صورة قاتمة لاقتصاد تجاوز مرحلة التضخم الهيكلي المزمن ليدخل محطة ما قبل التضخم الجامح والمفرط «Hyperinflation»، وسط شلل تام يضرب معدلات النمو وانكماش حاد في القطاعات الإنتاجية غير النفطية، مما يهدد بحدوث فوضى مالية عارمة وانهيار شامل للمنظومة برمتها.
من التضخم المزمن إلى حقبة «المحطة الأخيرة»
أطلق الخبير الاقتصادي البارز والمقرب من أروقة صنع القرار الإيراني مسعود نيلي أحدث وأخطر جرس إنذار خلال مشاركته في «مؤتمر آفاق الاقتصاد الإيراني لعام 2026» المنعقد في العشرين من يوليو تموز الجاري، حيث جزم بأن اقتصاد البلاد وصل فعلياً إلى ما وصفها بـ«المحطة الأخيرة قبل التضخم الجامح». ويعد تصريح نيلي من أوضح الاعترافات الصادرة من بيئة النظام الداخلية بأن السياسات المالية المعتمدة قد دفعت البلاد نحو هاوية مالية غير مسبوقة.
وأوضح نيلي في قراءته التحليلية أن الاقتصاد الإيراني عبر العتبة الفاصلة بين التضخم المزمن وخطر الدخول في حقبة التضخم المفرط، فبينما شهدت البلاد تضخماً مزنماً ثنائي الرقم طوال العقود الماضية الممتدة من عام 1973 وحتى عام 2018، دخلت إيران منذ ذلك الحين مرحلة نوعية جديدة وقاسية تتميز بتضخم مرتفع بشكل استثنائي ومستمر يهدد الاستقرار المالي والاجتماعي بشكل مباشر.
شلل بنيوي وانكماش حاد في الإنتاج غير النفطي
وحدد نيلي انهيار معدلات النمو الاقتصادي كأول مؤشر بنيوي للأزمة الراهنة، مشيراً إلى أنه على عكس السنوات التي تلت الحرب الإيرانية العراقية شهد النمو الاقتصادي حالة شلل وركود تام منذ عام 2007. ومع تصاعد معدلات التضخم واستمرار تفشي البطالة يواجه النظام اليوم تدهوراً كاملاً في الركائز الثلاث للاستقرار الاقتصادي الكلي.
وتؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن «مركز الإحصاء الإيراني» صحة هذه التحذيرات، حيث لم يتجاوز النمو الاقتصادي لعام 2025 نسبة 0.2% فقط عند احتساب العائدات النفطية، بينما سجل النمو غير النفطي انكماشاً سالباً بنسبة «0.3%-». وتعكس هذه الأرقام ركوداً عميقاً يضرب القطاعات الإنتاجية ويحذر من دخول التضخم أرقاماً ثلاثية الخانات متبوعاً بانهيار كامل وقريب للعملة الوطنية.
حاكم البنك المركزي يصادق على أرقام الانهيار الرأسمالي
ولم تتأخر المؤسسات الرسمية في تأكيد هذه الرؤية القاتمة، حيث جاءت تصريحات حاكم البنك المركزي في نظام الملالي عبد الناصر همتي لتصادق رسمياً على عمق الأزمة. وأقر همتي بأن الاقتصاد يخضع لضغوط حادة وعنيفة في كافة القطاعات الرئيسية وفي مقدمتها التجارة الخارجية والإنتاج والاستثمار والمالية العامة والمنظومة المصرفية المتهالكة.
وكشف همتي عن تراجع حاد في صادرات النفط بفعل العقوبات الدولية والقيود المتزايدة، معلناً أن تكوين رأس المال الثابت الإجمالي ظل في النطاق السالب خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2025، ليصل إلى سالب 13% في الربع الثالث من العام نفسه، مما يعكس عزوفاً كاملاً عن الاستثمار الداخلي.
تآكل القدرة الشرائية للمواطنين والشارع يبلغ حد الانفجار
وتطرق حاكم البنك المركزي إلى الاعتراف الأشد إيلاماً والمتمثل في التآكل الكارثي لمستوى معيشة المواطنين، حيث هبط متوسط الدخل الفردي الحقيقي بأسعار عام 2021 الثابتة من نحو 141 مليون تومان في عام 2011 إلى 75 مليون تومان فقط في عام 2024. وبالمعيار العملي تراجعت القدرة الشرائية للمواطن الإيراني إلى النصف خلال 13 عاماً فقط، عائدة بالبلاد إلى مستويات المعيشة المتدنية التي كانت سائدة في تسعينيات القرن الماضي.
ويُترجم هذا الانهيار المالي المباشر إلى احتقان وضائقة اجتماعية متفجرة في الشارع، حيث أقر رئيس منظمة الشؤون الاجتماعية في النظام محمد بطحائي قبل شهر واحد فقط بأن نحو 60% من الإيرانيين لم يعودوا قادرين على تحمل أي ضغوط اقتصادية أو معيشية إضافية. ويعكس هذا الاعتراف الفجوة السحيقة بين الخطاب الحكومي والواقع اليومي لملايين العائلات التي تصارع الارتفاع الجنوني لأسعار الغذاء والسكن.
تلاشي هامش المناورة وأزمة حكم وجودية
وبرغم هذه الاعترافات الصادمة يواصل كبار مسؤولي النظام مطالبة المواطنين بتحمل المزيد من التضحيات، حيث صرح رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي مؤخراً بأن «الصمود بوجه العدو له أثمان ويجب علينا قبول هذه الأثمان»، ملقياً بتبعات الفشل السياسي والاقتصادي على كاهل المواطنين المنهكين.
إن أهمية تحذيرات الخبراء والمسؤولين المقربين من السلطة لا تكمن فقط في توقعاتهم التقنية بتفجر التضخم الجامح، بل في كونها اعترافاً علنياً ورسمياً بنهاية هامش المناورة وتآكل الثروة الوطنية. وبعد سنوات طويلة من محاولة إرجاع الأزمات البنيوية إلى ضغوط خارجية طارئة، يواجه نظام الولي الفقيه الحقيقة العارية المتمثلة في اقتصاد يعاني من فشل هيكلي وفساد ممنهج وسوء إدارة متراكم، مما يحول الضائقة المالية إلى أزمة حكم وجودية غير قابلة للتغطية أو التجميل.

