لم تعد قضية السجون في لبنان مجرد ملف قانوني روتيني ينتظر دورة برلمانية مؤجلة، بل تحولت إلى قضية إنسانية وأخلاقية صارخة تختبر ما تبقى من ضمير لدى هذا الوطن.
ونحن نرقب من خلف الجدران الباردة السجالات الصاخبة حول “قانون العفو العام”، نجد أنفسنا مدفوعين بمرارة الواقع وقوة الحق لنضع أمام الرأي العام حقيقة جرحنا النازف، بعيداً عن صخب المناورات السياسية التي تحاول تجزئة العدالة أو تحويل حريتنا إلى منحة تُوهب لإرضاء الشارع.
إن العفو المطروح اليوم ليس مِنّة من أحد، بقدر ما هو ضرورة قصوى لتصحيح مسار قضائي انحرف لسنوات بفعل التسييس والكيد الأمني، وفرصة تاريخية لتنقية الذاكرة اللبنانية وإغلاق ملفات أريد لها أن تظل مفتوحة كخناجر في خاصرة السلم الأهلي.
مقابر الأحياء وأنّات خلف الجدران
وبينما يتباحث السياسيون في الصالونات المكيفة، تئن السجون اللبنانية تحت وطأة واقع مزرٍ تخطى حدود الكارثة الإنسانية؛ إذ نعيش في زنازين ضيقة تفتقر لأدنى مقومات الحياة البشرية، حتى غدت هذه الأماكن بمثابة “مقابر للأحياء”. والأنكى من ضيق المكان هو ذلك الإهمال الطبي الممنهج الذي يحوّل الأمراض العادية إلى أحكام إعدام غير معلنة، حيث يفقد سُجناء حياتهم بلا ثمن نتيجة غياب الرعاية والدواء، في مشهد يدمي القلوب ويهز ضمير الإنسانية.
عدالة مكبّلة وآلاف بلا محاكمات
هذه المظلومية العاتية لم تعد تقتصر على الموقوفين الإسلاميين الذين ارتبطت ملفات كثير منهم بتداعيات الثورة السورية وإرث حقبة الوصاية السابقة، بل هي غيمة سوداء تطحن آلاف السجناء من مختلف المكونات والمناطق؛ فكم من القابعين وراء القضبان منذ سنوات طويلة دون أن تُجرى لهم جلسة محاكمة واحدة، وكأن العدالة البطيئة باتت سيفاً مصلتاً على رقاب الأبرياء.
اعتراف بالظلم ومسؤولية غائبة
اليوم، تلاشت كل محاولات التبرير، وباتت مظلوميتنا محل إقرار واعتراف علني من معظم القيادات والمسؤولين على اختلاف توجهاتهم السياسية. وإذا كان الجميع مقرّاً بحجم الإجحاف والتلفيق الذي شاب كثيراً من الملفات في مناخات أمنية معينة، فإن الأصل يقتضي ألا يُترك الضحايا في عتمتهم يبحثون عن مخارج لمعاناتهم، بل إن المسؤولية الكاملة تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها لامتلاك الشجاعة الأخلاقية وابتكار الحلول التي ترفع هذا القهر.
نداء لتوحيد الموقف والصف
ومن قلب هذه المعاناة، نتوجه بصرخة صادقة وملحة إلى كافة المرجعيات والقيادات والنواب من المكون السُنّي في لبنان؛ ونقول لهم إن تشتت المواقف وتفرق الكلمة كانا دائماً الثغرة التي ينفذ منها الآخرون لتمييع قضاياكم وبخس حقوقكم، وقضيتنا اليوم هي قضية جامعة تمس صلب وجدان واستقرار المجتمع، والمطلوب هو رص الصفوف والتعالي على الخلافات ليكون الموقف واحداً صلباً لا يقبل المساومة.
تحية للشرفاء ودعوة للمثابرة
ووسط هذه المعاناة الطويلة، نتوجه ببالغ الشكر والامتنان لجميع النواب، والكتل والأحزاب السياسية التي أبدت شعوراً عالياً بالمسؤولية، وسعت بجد وإخلاص لإنصاف هذا الملف وإيصاله إلى بر الأمان. ونحن إذ نثمن هذه الجهود النبيلة، نناشد هؤلاء الشرفاء بأن يثابروا على مواقفهم، ويكثفوا مساعيهم دون تراجع، متجاوزين كل العقبات، حتى يصل هذا الملف الإنساني إلى خواتيمه السعيدة التي تعيد الحقوق لأصحابها وتلم شمل العائلات المفجوعة.
الحرية كبوابة للاستقرار والمصالحة..
إن ما نريد لكل شريك في هذا الوطن أن يستوعبه بعمق، هو أن حريتنا وخروجنا من هذه العتمة لا يحمل ولن يحمل أي رسالة تهديد أو وعيد لأي مكون لبناني آخر. على العكس تماماً، إن إنصاف المظلومين وإغلاق هذا الجرح هو أقوى رسالة طمأنينة واستقرار يمكن أن تقدم للبلاد، وهو انتصار حقيقي لمنطق المصالحة المجتمعية؛ فالمجتمعات لا تستقر بالظلم والقهر، بل بالعدل الذي يمنح الكل شعوراً بالأمان والكرامة تحت سقف عدالة واحدة تتسع للجميع.

