بيانات متأخرة… فمن يحاسب بلديات الجنوب؟

في بلدات الجنوب، لا تُقرأ نتائج الانتخابات البلدية بمعزل عن ميزان القوى السياسي القائم. ويرى كثيرون أن العديد من المجالس البلدية أصبحت تعكس نفوذ الحزب وحلفائه، بما يحدّ من استقلالية القرار المحلي ويضعف فرص المنافسة السياسية. وفي نظر هؤلاء، تبدو البلديات شاهداً صامتاً على ترسّخ هذا النفوذ، فيما يؤكد الحزب وأنصاره أن هذه النتائج تعكس خيارات الناخبين والتوافقات المحلية، وأنها تستند إلى قاعدة شعبية، بينما يرى معارضوه أنها فُرضت بقوة السلاح، بما أدى إلى فرض الإرادة بالقوة.

بيان عيترون… ومطالب مشروعة

في 12 تموز/يوليو 2026، أصدرت بلدية عيترون بياناً طالبت فيه الدولة اللبنانية بإعلان خطة وطنية طارئة لإعادة إعمار القرى الحدودية، وتعويض المتضررين، وتأمين عودة الأهالي إلى منازلهم. وهي مطالب عادلة ومحقة في ظل حجم الدمار الذي أصاب الجنوب، إلا أن البيان نفسه يفرض سؤالاً لا يمكن تجاوزه: أين كانت هذه البلديات قبل أن تصل قراها إلى هذا المصير؟

من حق أبناء الجنوب أن يطالبوا الدولة بالتعويض وإعادة الإعمار، لكن من حقهم أيضاً أن يسألوا البلديات التي انتخبوها: ماذا فعلتم أنتم لحماية مصالح الناس؟ وهل كان همّكم الأول المواطن، أم الاصطفاف السياسي والحزبي؟

هل أدّت البلديات دورها؟

البلديات ليست مكاتب إعلامية تصدر البيانات بعد وقوع الكارثة، بل سلطات محلية يُفترض أن تدافع عن المجتمع، وأن تنقل هواجس الناس إلى الدولة، وأن ترفض أي واقع يعرّض المدنيين وممتلكاتهم للخطر. أما أن تصمت سنوات، ثم تكتشف بعد الدمار أن القرى تحتاج إلى خطة إنقاذ، فهذا لا يمحو مسؤوليتها السياسية والأخلاقية أمام أهلها.

لقد خسر الجنوب خيرة شبابه، وتهدمت آلاف المنازل، وتحولت قرى بأكملها إلى مناطق منكوبة، فيما لا يزال آلاف المواطنين يعيشون التهجير والقلق والفقر. وفي خضم هذه المأساة، لم يسمع اللبنانيون مراجعة واحدة أو نقداً ذاتياً واحداً من البلديات التي كانت ترفع شعارات الصمود والإنماء.

الولاء للناس أم للسياسة؟

إن بلديات الجنوب الشيعية، التي يهيمن عليها فريق سياسي واحد، لا تستطيع أن تتنصل من مسؤوليتها أمام المواطنين بحجة أن القرار أكبر منها. فالولاء الأول يجب أن يكون للناس الذين انتخبوها، لا لأي جهة سياسية. وإذا كانت عاجزة عن الدفاع عن مصالح سكانها أو عن التعبير بحرية عن معاناتهم، فمن حق المواطنين أن يسألوا: ما الجدوى من وجودها أصلاً؟

إن البيانات التي تصدر اليوم لن تعيد منزلاً دُمّر، ولن تعيد ابناً قُتل، ولن تعوض مزارعاً فقد أرضه أو تاجراً خسر مؤسسته. وما يحتاجه الجنوب ليس بيانات جديدة، بل مصارحة شجاعة ومحاسبة حقيقية، تبدأ بالاعتراف بالتقصير، وتستمر بوضع مصلحة الإنسان فوق كل الاعتبارات السياسية.

لقد آن الأوان لأن تتحول البلديات من مؤسسات تبرر الواقع إلى مؤسسات تحاسب عليه، ومن أبواق سياسية إلى سلطات محلية مستقلة تدافع عن حقوق أهلها بلا خوف ولا حسابات حزبية.

فالناس لا يريدون خطابات بعد الكارثة، بل يريدون مسؤولين كانوا إلى جانبهم قبل وقوعها، ويكونون إلى جانبهم في إعادة بناء ما تبقى من وطنهم.

أسئلة لا يجوز الهروب منها

إن بيان 12 تموز/يوليو 2026 قد يكون بداية للمطالبة بحقوق أهالي الجنوب، لكنه يفرض أيضاً حقاً آخر لا يقل أهمية: حق الناس في المساءلة.

فالمواطن الذي خسر منزله، أو ابنه، أو أرضه، لا يريد فقط وعوداً بإعادة الإعمار، بل يريد أن يعرف كيف وصلت الأمور إلى هذه النتيجة، ومن يتحمل المسؤولية السياسية والإدارية والأخلاقية عن هذا الواقع.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز التهرب منه: هل تجرؤ بلديات الجنوب على إجراء مراجعة علنية وصريحة لأدائها خلال السنوات الماضية؟ وهل هي مستعدة للاعتراف بأي تقصير، إن وجد، أم ستكتفي بإصدار البيانات وتحميل المسؤولية للآخرين؟ وأين كانت البلديات عندما كانت تُحفر الأنفاق الحربية، وعندما كان يوجد أشخاص بصورة غير قانونية يتحدثون الفارسية؟ ولماذا لم ترفع الصوت؟

لا إعمار بلا مراجعة

إن المسؤولية لا تبدأ بعد وقوع الكارثة، بل قبلها. والسلطة المحلية التي تطالب اليوم بحقوق المواطنين، كان يفترض بها أن تكون أول من يدافع عن مصالحهم، ويحذر من المخاطر، ويضع سلامة الإنسان فوق أي اعتبار سياسي أو حزبي.

لقد دفع الجنوب ثمناً باهظاً من دماء أبنائه، ومن عمر قراه، ومن اقتصاد أهله، ولم يعد مقبولاً أن تبقى المحاسبة غائبة. فلا إعادة إعمار حقيقية من دون مراجعة، ولا ثقة من دون شفافية، ولا مستقبل لقرى الجنوب إذا بقيت السياسة تتقدم على مصلحة الإنسان.

لقد آن الأوان لأن يسمع أبناء الجنوب كلمة مختلفة من مسؤوليهم: نعترف، نراجع، نحاسب، ثم نبني. فالأوطان لا تُبنى بالبيانات وحدها، بل بالشجاعة في تحمل المسؤولية قبل المطالبة بحقوق الآخرين.

السابق
بين منع النووي ودمار غزة ولبنان..الحقيقة التي يتجاهلها العالم
التالي
بعد الجدل.. ميسي يكسر صمته ويعلق على صورته مع يامال