عون يتمسك بالدولة والجيش..وإسرائيل تؤخر الانسحاب وتواصل فرض الوقائع بالقوة

جوزيف عون

دخل اتفاق الإطار اللبناني – الإسرائيلي أسبوعه الثاني من دون أن يحقق الاختبار العملي الأول الذي كان يُفترض أن يؤكد جدية تنفيذه. فبدلاً من الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من البلدات الجنوبية، كما روّجت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، اختارت تل أبيب تأجيل المرحلة التجريبية، فيما واصلت عملياتها العسكرية وفرض وقائع ميدانية جديدة، الأمر الذي يعكس استمرار استخدام الضغط العسكري كورقة تفاوضية في مرحلة التنفيذ.

وفي مقابل هذا الجمود، تبدو واشنطن متمسكة بإبقاء الاتفاق على قيد الحياة، من خلال استكمال بناء غرفة العمليات المشتركة وآلية المراقبة الأمنية، في محاولة لمنع انهيار التفاهم قبل أن يبدأ تطبيقه فعلياً.

إسرائيل تفاوض بالنار

المشهد الميداني لا يوحي بأن إسرائيل في عجلة من أمرها للانسحاب. فالجيش الإسرائيلي يواصل عملياته العسكرية داخل الجنوب، وينفذ غارات وعمليات نسف وتوغلات، بالتزامن مع إعلانه السيطرة على مواقع يعتبرها مراكز عسكرية متقدمة لـ”حزب الله”.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه دمر عشرات البنى العسكرية في بلدة حداثا، وقتل أكثر من عشرين عنصراً، وصادر أكثر من 150 قطعة سلاح، في رسالة أرادت تل أبيب من خلالها التأكيد أنها لن تنسحب قبل تفكيك ما تعتبره البنية العسكرية للحزب في المنطقة الحدودية.

ويعزز هذا السلوك الانطباع بأن إسرائيل تسعى إلى رسم واقع أمني جديد في الجنوب قبل أي انسحاب، بحيث يصبح انتشار الجيش اللبناني لاحقاً جزءاً من منظومة أمنية مختلفة عن تلك التي كانت قائمة قبل الحرب الأخيرة.

عون يراهن على الدولة… وبري يطفئ نار الفتنة

في المقابل، برز موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون باعتباره محاولة لإعادة تثبيت مرجعية الدولة في إدارة المرحلة المقبلة. فقد شدد على أن الجيش اللبناني هو الضامن الوحيد للاستقرار، وأن الانسحاب الإسرائيلي يشكل المدخل الإلزامي لانتشار الجيش واستعادة السيادة، مؤكداً في الوقت نفسه أن الحرب الأهلية ليست مطروحة، وأن كل محاولات إثارة الفتنة ستفشل.

ولم يكن لافتاً فقط تمسك عون باتفاق الإطار، بل أيضاً إشادته العلنية بالدور الذي يؤديه رئيس مجلس النواب نبيه بري في احتواء التوترات ومنع الانزلاق نحو الانقسام الداخلي، وهي رسالة تعكس إدراكاً رسمياً لحساسية المرحلة، وضرورة المحافظة على الحد الأدنى من التماسك الوطني في مواجهة الضغوط الخارجية.

بدوره، تعامل بري مع تصريحات بنيامين نتنياهو بشأن القرى المسيحية الحدودية باعتبارها محاولة إسرائيلية لضرب الوحدة الوطنية، فسارع إلى الإشادة بمواقف أهالي تلك القرى ومرجعياتها الروحية والبلدية التي رفضت بصورة قاطعة المزاعم الإسرائيلية، مؤكداً أن الجنوب، بكل مكوناته، يتمسك بأرضه وهويته الوطنية.

بين خطاب الحزب ومسار الدولة

في المقابل، واصل “حزب الله” هجومه السياسي على اتفاق الإطار، معتبراً أنه منح إسرائيل شرعية لمواصلة اعتداءاتها، فيما حمّل السلطة مسؤولية الصمت تجاه العمليات العسكرية الإسرائيلية.

غير أن التطورات السياسية تكشف اتساع مساحة التأييد الداخلي لمسار الدولة، إذ توالت مواقف داعمة للاتفاق من شخصيات وكتل سياسية مختلفة، رأت فيه فرصة لإعادة تثبيت السيادة، وبسط سلطة الدولة، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، بالتوازي مع انسحاب إسرائيل وانتشار الجيش اللبناني.

كما حمل السجال بين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بعداً سياسياً يتجاوز الخلاف حول اتفاق الهدنة، ليعكس نقاشاً أوسع حول كيفية إدارة المرحلة الجديدة، بين من يدعو إلى العودة إلى المرجعيات السابقة، ومن يرى أن الوقائع التي فرضتها الحرب تستوجب مقاربة مختلفة للمستقبل.

الرهان على الاستقرار… رغم التصعيد

ورغم استمرار القصف والغارات وسقوط الضحايا المدنيين، فإن المشهد العام يوحي بأن الأولوية لدى الدولة اللبنانية لم تعد تقتصر على إنهاء الاحتلال، بل باتت تشمل أيضاً منع الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو فتنة سياسية يستفيد منها الاحتلال.

وفي موازاة ذلك، برزت مؤشرات اقتصادية إيجابية، مع إعلان مجموعة **CMA CGM** رغبتها في توسيع استثماراتها في لبنان، في إشارة إلى أن المجتمع الدولي لا يزال يربط أي انفتاح اقتصادي بإمكان نجاح المسار الأمني والسياسي الذي بدأ مع اتفاق الإطار.

وبين التصعيد الإسرائيلي، والتمسك الأميركي باستمرار الاتفاق، وسعي الدولة إلى تثبيت سلطتها ومنع الفتنة، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة سيكون نجاحها مرهوناً بقدرة المؤسسات الرسمية على تحويل الاتفاق من تفاهم سياسي إلى واقع ميداني، يعيد الجنوب إلى سلطة الدولة ويمنع تحويله مجدداً إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.

السابق
تقرير رسمي: 36 ألف نازح في مراكز الإيواء… والحصيلة ترتفع إلى 4305 شهداء