هل توجد أطماع إسرائيلية في لبنان؟ قراءة في التاريخ وإتفاق الإطار

فضيل حمود

منذ أكثر من سبعة عقود، شكّلت فكرة وجود أطماع إسرائيلية في لبنان إحدى أكثر المسلمات رسوخًا في الخطاب السياسي اللبناني والعربي. وتكررت هذه الفكرة مع كل حرب أو اجتياح أو توتر حدودي، حتى تحولت عند كثيرين إلى “حقيقة بديهية” لا تحتاج إلى برهان. ومع اندلاع الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، عاد هذا الطرح بقوة، وكأنه التفسير الوحيد الممكن لما يجري على الحدود الجنوبية.

لكن السؤال الجوهري يبقى: هل تكفي السرديات المتوارثة لتأسيس حقائق سياسية؟ أم أن معيار القراءة يجب أن يكون الوثائق الرسمية والوقائع الميدانية، لا النوايا المفترضة؟

الوثائق قبل السرديات

لا يتناول هذا المقال قضية فلسطين التاريخية أو الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، كما لا يناقش شرعية الحروب أو استخدام القوة. بل يقتصر على سؤال محدد: هل يوجد مشروع إسرائيلي رسمي ومعلن لضم أراضٍ لبنانية أو التوسع داخل لبنان؟

ولعل جزءًا كبيرًا من الاعتقاد بوجود أطماع إسرائيلية في لبنان يستند إلى سردية “إسرائيل الكبرى”، التي ترسخت في الوعي السياسي العربي منذ عقود، وأصبحت إطارًا تُفسَّر من خلاله معظم السياسات الإسرائيلية في المنطقة. غير أن قوة السردية، مهما بلغت، لا تُغني عن العودة إلى الوثائق الرسمية والوقائع التاريخية لاختبار مدى انطباقها على الحالة اللبنانية.

لهذا، لا يُحسم السؤال بالشعارات ولا بالانطباعات، بل بمراجعة المسار التاريخي للعلاقة بين البلدين، وقراءة الوثائق المؤسسة لها، وصولًا إلى اتفاق الإطار الأخير الذي يطرح، للمرة الأولى بهذا الوضوح، تصورًا لإنهاء النزاع بين لبنان وإسرائيل.

ولا يعني ذلك أن النصوص تُنتج واقعًا تلقائيًا، فالاتفاقات تُختبر بتنفيذها. لكن تجاهل الوثائق الرسمية بالكامل يجعل النقاش أسيرًا للسرديات، لا الوقائع.

من اتفاق الهدنة إلى الاعتراف بالحدود

بعد حرب 1948، وقّع لبنان وإسرائيل اتفاقية الهدنة عام 1949 برعاية الأمم المتحدة، مستندة إلى الحدود الدولية لعام 1923 بين لبنان وفلسطين الانتدابية.

ولم يتضمن الاتفاق أي مطالبة إسرائيلية بضم أراضٍ لبنانية أو تعديل حدود لبنان الدولية. بقي النزاع سياسيًا وأمنيًا، لكنه لم يُبنَ على إنكار وجود لبنان أو شرعية حدوده.

لعل جزءًا كبيرًا من الاعتقاد بوجود أطماع إسرائيلية في لبنان يستند إلى سردية “إسرائيل الكبرى”، التي ترسخت في الوعي السياسي العربي منذ عقود، وأصبحت إطارًا تُفسَّر من خلاله معظم السياسات الإسرائيلية في المنطقة.

وهنا نقطة أساسية غالبًا ما تُتجاهل: غياب مشروع ضم معلن في أول وثيقة رسمية بين الطرفين، بما يفصل بين الخطاب السياسي وبين السياسة الرسمية للدولة.

ولا ينفي ذلك وجود تيارات أو أفكار إسرائيلية تتبنى تصورات توسعية، لكنه يميز بين ما تتبناه بعض التيارات، وبين ما تُعلنه الدولة رسميًا في الوثائق والاتفاقات.

الاجتياحات: احتلال بلا مشروع ضم

شهد لبنان ثلاث محطات مفصلية: عام 1978، ثم الاجتياح الواسع عام 1982، ثم حرب تموز عام 2006.

ولا خلاف على أن الاجتياحات شكّلت احتلالًا عسكريًا واسعًا، وأن الشريط الأمني في الجنوب استمر قرابة ثمانية عشر عامًا. لكن السؤال الحاسم ليس توصيف الاحتلال، بل نتائجه السياسية: هل تحول إلى مشروع ضم؟

في عام 2000 انسحبت إسرائيل من معظم الجنوب تنفيذًا للقرار 425، وأكدت الأمم المتحدة هذا الانسحاب عبر “الخط الأزرق”، وهو خط تقني للتحقق من الانسحاب وليس حدودًا دولية جديدة.

وبقيت نقاط خلاف مثل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وعدد من النقاط المتحفظ عليها ضمن نزاع حدودي غير محسوم، لا ضمن مشروع ضم إسرائيلي معلن.

ثم جاءت حرب تموز 2006، وانتهت من دون أي تعديل رسمي للحدود أو إعلان سيادة إسرائيلية على أي جزء من الأراضي اللبنانية.

ولا يعني ذلك أن إسرائيل لم ترتكب انتهاكات، أو أنها لم تستخدم القوة العسكرية على نطاق واسع، أو أن اللبنانيين لم يدفعوا أثمانًا باهظة نتيجة الحروب والاحتلال. فهذه وقائع ثابتة لا يغيّرها شيء. لكن السؤال المطروح هنا مختلف؛ فهو لا يتعلق بشرعية استخدام القوة، بل بطبيعة الهدف السياسي النهائي. فالاحتلال العسكري، مهما طال، لا يساوي بالضرورة مشروع ضم أو توسع إقليمي دائم.

وهنا يطرح السؤال نفسه بحدة أكبر: إذا كان هناك مشروع توسعي ثابت، فلماذا لم يُترجم في ذروة القوة العسكرية إلى ضم قانوني أو واقع استيطاني دائم؟

فالوقائع، حتى الآن، لا تُظهر مشروع ضم، بل نمطًا من الاحتلالات المؤقتة والانسحابات المرتبطة باعتبارات سياسية وأمنية.

من ترسيم الحدود البحرية إلى اتفاق الإطار

أظهر اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022 أن نزاعًا حدوديًا يمكن أن يُعالج بالتفاوض، رغم استمرار حالة الحرب والعداء بين الطرفين.

أما اتفاق الإطار الأخير، فيذهب أبعد من ذلك، إذ يطرح تصورًا سياسيًا وأمنيًا لإنهاء النزاع، وتكمن أهميته في أنه نص تفاوضي رسمي، لا مجرد تصريح إعلامي.

ففي البند الأول، ينص على: «إنهاء النزاع بينهما بشكل نهائي.»
ويضيف: «حل هذه القضايا كدولتين ذواتي سيادة من خلال مفاوضات ثنائية مباشرة.»

أما البند الخامس، وهو الأكثر ارتباطًا بموضوع هذا المقال، فينص حرفيًا على: «تعلن حكومة إسرائيل أنها لا تملك أي أطماع إقليمية في لبنان.»
كما ينص على: «إعادة انتشارها تدريجيًا خارج الأراضي اللبنانية.»

وتشير الوثيقة أيضًا إلى أن القضايا العالقة تُعالج عبر التفاوض، لا عبر فرض وقائع جديدة بالقوة.

هذه ليست مجرد صياغات دبلوماسية، بل إعلان سياسي رسمي مكتوب ينفي وجود أطماع إقليمية تجاه لبنان، ويفتح الباب لمعالجة الملفات الحدودية عبر المفاوضات.

وقد يُقال إن النصوص لا تكفي، لأن الدول قد تعلن شيئًا وتمارس شيئًا آخر. وهذا اعتراض مشروع. لكن المنهج العلمي يقتضي أيضًا عدم افتراض النيات المخالفة قبل اختبارها. فعندما تصدر دولة إعلانًا رسميًا ضمن وثيقة تفاوضية، يصبح هذا الإعلان معيارًا يمكن مساءلتها على أساسه إذا خالفته لاحقًا. أما تجاهله منذ البداية، فيعيد النقاش إلى دائرة القناعات المسبقة لا إلى دائرة التحليل.

البند الخامس، وهو الأكثر ارتباطًا بموضوع هذا المقال، فينص حرفيًا على: «تعلن حكومة إسرائيل أنها لا تملك أي أطماع إقليمية في لبنان.»
كما ينص على: «إعادة انتشارها تدريجيًا خارج الأراضي اللبنانية.»

بين السردية والسياسة الرسمية

الاعتراض التقليدي يقول إن الوثائق لا تكفي، وإن الأفعال هي الحكم. وهذا صحيح جزئيًا.

لكن الأخطر هو العكس أيضًا: بناء تحليل استراتيجي كامل على سرديات أيديولوجية تتجاهل ما تقوله الدول رسميًا عن نفسها.

فالمقاربة العلمية تقتضي التفريق بين الخطاب التعبوي والسياسة الرسمية، وبين الأدبيات الفكرية والوثائق الحكومية.

وعند العودة إلى المسار اللبناني، نجد تسلسلًا يصعب تجاهله: اتفاقية الهدنة عام 1949، والانسحاب الإسرائيلي عام 2000، واتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022، ثم اتفاق الإطار الذي ينص صراحة على أن «حكومة إسرائيل لا تملك أي أطماع إقليمية في لبنان»، ويؤكد حل القضايا العالقة عبر التفاوض بين دولتين ذواتي سيادة.

ولا يثبت هذا التسلسل حسن النيات، لكنه يجعل من الصعب اعتبار مشروع ضم لبنان سياسة إسرائيلية رسمية معلنة.

إذا فشل الاتفاق، فلن يكون ذلك، بحد ذاته، دليلًا على وجود أطماع توسعية، بل دليلًا على فشل مسار سياسي اختاره الطرفان.

بين النص والتنفيذ

يبقى التنفيذ هو الاختبار الحقيقي لأي اتفاق.
فإذا نُفذت بنوده، وأُنجزت إعادة الانتشار، وعولجت القضايا الحدودية عبر المفاوضات، فسيعزز ذلك القراءة التي ترى أن جوهر النزاع اللبناني–الإسرائيلي يدور حول الأمن وترتيبات الحدود، أكثر مما يدور حول مشروع لضم الأراضي اللبنانية.

أما إذا فشل الاتفاق، فلن يكون ذلك، بحد ذاته، دليلًا على وجود أطماع توسعية، بل دليلًا على فشل مسار سياسي اختاره الطرفان.

لذلك، لا يقدم هذا المقال تبرئة لإسرائيل، ولا يدعو إلى الثقة المطلقة بأي اتفاق، كما لا يتجاهل تاريخ الحروب والإحتلال والانتهاكات. لكنه يدعو إلى إخضاع السرديات للاختبار الوثائقي والتاريخي، بدل تحويلها إلى مسلمات نهائية.

فالسرديات، مهما بلغت قوتها وتأثيرها في الوعي الجماعي، لا يمكن أن تحل محل الوثائق الرسمية أو الوقائع التاريخية. والتحليل الرصين يبدأ مما هو مكتوب ومعلن، ثم يقيس صدقيته بما يتحقق على الأرض، لا العكس.

ويبقى السؤال مطروحًا: إذا كانت الوثائق الرسمية، منذ اتفاقية الهدنة عام 1949 وصولًا إلى اتفاق الإطار، لا تتضمن مشروعًا معلنًا لضم أراضٍ لبنانية، بل تنص صراحة على أن «حكومة إسرائيل لا تملك أي أطماع إقليمية في لبنان»، وتفتح الباب لمعالجة القضايا الحدودية عبر التفاوض، فهل يصح الاستمرار في تفسير النزاع اللبناني–الإسرائيلي باعتباره امتدادًا لمشروع «إسرائيل الكبرى»؟ أم أن الوقائع تفرض إعادة التمييز بين السرديات الأيديولوجية والسياسات الرسمية للدول؟

السابق
انخفاض جديد في سعر ربطة الخبز… ووزارة الاقتصاد تعلن التسعيرة الجديدة