فانس: لا دور لإيران في لبنان..والمفاوضات تفتح تقرير مستقبل الجنوب

جاي دي فانس

لم تنجح المفاوضات الأميركية – الإيرانية في الحلول مكان المسار اللبناني – الإسرائيلي، كما كانت تأمل طهران وحلفاؤها، بل بدا أن واشنطن مصممة على إبقاء القناة التفاوضية المباشرة بين بيروت وتل أبيب قائمة ومستقلة. وفي هذا السياق، انطلقت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن، وسط رعاية أميركية ودعم عربي وخليجي وغربي، وبهدف معلن يتمثل في تثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى مرحلة البحث العملي في الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.

وتشير المعطيات إلى أن الجانب اللبناني دخل المفاوضات متمسكاً بالثوابت التي سبق أن أعلنها، وفي مقدمتها وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب من المناطق المحتلة، وعودة النازحين، وإطلاق الأسرى، مع التركيز على وضع ترتيبات ميدانية قابلة للتطبيق تسمح ببدء مسار الانسحاب بشكل تدريجي ومنظم.

“المناطق التجريبية” على طاولة البحث

العنوان الأبرز في هذه الجولة يتمثل في ما بات يعرف بـ”المناطق التجريبية”، وهي فكرة يجري تداولها منذ أسابيع داخل الأوساط الأميركية والإسرائيلية.

ووفق التسريبات الإسرائيلية، فإن تل أبيب اقترحت الانسحاب من منطقة محددة يجري الاتفاق عليها مسبقاً، على أن ينتشر الجيش اللبناني فيها تحت إشراف ومراقبة أميركية، في محاولة لاختبار آلية ميدانية جديدة قد تشكل نموذجاً لتوسيع الانسحاب لاحقاً إلى مناطق أخرى.

غير أن مصادر لبنانية رسمية أكدت أن بيروت لم تتبلغ حتى الآن أي آلية تنفيذية واضحة، ما يعكس استمرار الفجوة بين التصورات النظرية المطروحة وبين التفاهمات العملية المطلوبة على الأرض.

الميدان يسبق السياسة

وكما جرت العادة في معظم المحطات التفاوضية السابقة، لم تنفصل المباحثات عن التطورات الميدانية.

ففي الوقت الذي كان فيه الوفدان يجلسان إلى طاولة التفاوض في واشنطن، شهد الجنوب سلسلة من الحوادث الأمنية والاعتداءات الإسرائيلية، من إلقاء قنابل صوتية في عدد من البلدات الحدودية، إلى إطلاق النار على مدنيين، وصولاً إلى سقوط شهداء وجرحى في النبطية الفوقا.

وتحمل هذه التطورات أكثر من رسالة. فمن جهة، تسعى إسرائيل إلى التأكيد أنها لن تتخلى عن حرية العمل العسكري التي تعتبرها ضرورية لأمنها. ومن جهة أخرى، تحاول الضغط على المفاوضات من خلال ربط أي انسحاب بضمانات أمنية إضافية تتعلق بمنع عودة البنية العسكرية لحزب الله إلى المناطق الحدودية.

حزب الله بين الالتزام والتحذير

في المقابل، اختار حزب الله توجيه رسالة مزدوجة.

فالحزب أكد التزامه بوقف إطلاق النار وعدم الرد على الاعتداءات حتى الآن، لكنه في الوقت نفسه حذر من “خطورة استمرار هذه الانتهاكات”، معتبراً أن ما جرى في النبطية يشكل خرقاً واضحاً للتفاهمات القائمة.

ويعكس هذا الموقف محاولة للحفاظ على التوازن بين عدم إعطاء مبرر لتفجير المفاوضات الجارية من جهة، وعدم الظهور بموقع المتفرج على التطورات الميدانية من جهة أخرى.

لبنان يطلب الفصل بين المسارين

دبلوماسياً، برز تحرك وزير الخارجية يوسف رجي الذي سعى خلال لقاءاته العربية والأوروبية إلى تثبيت فكرة أساسية مفادها أن المسار اللبناني يجب أن يبقى مستقلاً عن المفاوضات الأميركية – الإيرانية.

ويبدو أن هذا المطلب يعكس هاجساً لبنانياً متزايداً من أن يتحول ملف الجنوب إلى ورقة ضمن التفاهمات الإقليمية الكبرى، بحيث تصبح القرارات المرتبطة بالسيادة اللبنانية رهينة حسابات تتجاوز الحدود اللبنانية.

لذلك تحاول بيروت تثبيت موقعها كشريك مباشر في أي ترتيبات تخص مستقبل الجنوب، لا كمجرد طرف يتلقى نتائج التفاهمات التي يتم التوصل إليها في عواصم أخرى.

رسالة فانس: الدولة اللبنانية أولاً

في موازاة ذلك، حمل موقف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في رده على رسالة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع دلالات سياسية لافتة.

فالتأكيد الأميركي على أن الرئيس جوزاف عون والحكومة اللبنانية هما السلطة الشرعية الوحيدة في البلاد، يعكس استمرار الرهان الأميركي على مؤسسات الدولة اللبنانية باعتبارها الشريك الأساسي في أي ترتيبات أمنية وسياسية مقبلة.

كما أن تشديد فانس على أن التواصل مع إيران لا يهدف إلى منحها دوراً في تقرير مستقبل لبنان، بل إلى دفعها للضغط على حزب الله لتنفيذ التزاماته، يشكل محاولة أميركية واضحة للفصل بين إدارة الأزمة اللبنانية وبين منح طهران حق الوصاية السياسية على القرار اللبناني.

بين الاختبار والفرصة

ما يجري في واشنطن يتجاوز كونه جولة تفاوضية جديدة. فهذه المباحثات تمثل اختباراً حقيقياً لإمكان الانتقال من مرحلة وقف إطلاق النار الهش إلى مرحلة أكثر استقراراً تقوم على ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب.

لكن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بعوامل عدة، أبرزها قدرة الولايات المتحدة على إلزام إسرائيل بخطوات ميدانية ملموسة، وقدرة الدولة اللبنانية على فرض حضورها في المناطق التي قد تنسحب منها القوات الإسرائيلية، إضافة إلى استمرار الهدوء الميداني ومنع أي تطور أمني قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر.

وعليه، تبدو الجولة الخامسة من مفاوضات واشنطن محاولة جديدة لوضع قطار الانسحاب على السكة، لكن الطريق إلى تنفيذ فعلي ومستدام لا يزال مليئاً بالعقبات السياسية والأمنية، في ظل تداخل الحسابات اللبنانية والإسرائيلية والإقليمية والدولية.

السابق
وزير الإعلام: نثمن وساطة إسلام آباد في بورجنشتوك.. وحكومة سلام تضع الإعمار والانسحاب في صدارة أولوياتها